الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١١١

الإباضية

الحين في الأوساط الإسلامية.

لقد بدأت هذه الحركة العلمية بسيطة ساذجة في " أفاطمان

فلما جاء ابن مغطير توج هذه الحركة البسيطة بتوجيهها إلى الدراسة العلمية على الطريقة التي رآها في البصرة. ورجع أولئك الطلاب الذين تعلموا القراءة والكتابة وحفظوا القرآن الكريم والحديث الشريف، وعرضوا شيئاً من سيرة الرسول الكريم إلى بلادهم فتكونت منهم مجموعات مستعدة للتلقي فلما عاد حملة العلم الخمسة بعد ابن مغيطير وتفرقوا في البلاد، وجدوا استعدادا في الناس وقابلية، فافتتح كل واحد منهم مدرسة في ناحية من البلاد كان لها أحسن الآثار ولعل أنجح هذه المدارس التي كونها بعض حملة العلم، هي مدارس ابن درار الغدامسي، وعاصم السدراتي، وأبي داود القبلي ثم عبدالرحمن بن رستم - بعد زمن طويل - حين انتقل إلى الجزائر أما أبو الخطاب فقد شغل بأحداث السياسة، ولم تطل به

الحياة

إنني حين أتحدث عن المدارس في هذا التاريخ الطويل، الذي يمتد ما بين الفتح الإسلامي والاحتلال الإيطالي، قد أطلق كلمة المدرسة على معنى أوسع مما تدل عليه اليوم في الاستعمار

الجاري بين الناس، وقد يفهم بعض القراء الكرام من كلمة المدرسة نوعاً معيناً من دور التعليم، يجرى على نظام خاص لا يتعداه، إنني بطبيعة الحال لست أقصد من كلمة المدرسة هذا المعنى الضيق فقط، لأن هذه المدرسة لم تكن موجودة في

ذلك الحين في أي بلد من بلاد العالم، وإنما أقصد بكلمة المدرسة: المعنى الواسع الذي يشتق من كلمة لدراسة والتدريس، وهذا المعنى يمكن أن يشتمل على ثلاثة مدلولات: الأول: الدور التي أنشئت لتعليم الناشئة وتربيتهم، وتتدرج بهم من المبادئ الأولية لأنواع العلوم المعروفة في تلك الأزمنة، حتى تنتهى بهم أو ببعضهم في مرحلة يشهد لهم فيها يستحقون من بعدها أن بأنهم بلغوا درجات معينة من العلم: يسموا علماء، وأن يقوموا بالأعمال التي يقوم بها العلماء، وهذه

المدارس عادة تكون ذات مناهج ومراحل وأنظمة معينة. الثاني: دروس الوعظ والإرشاد والتويجه، التي يقوم بها بعض كبار العلماء في المساجد والمجتمعات والمناسبات، ويقصد بهذه الدروس تثقيف العامة وأشباه العامة، وتنمية معلومات أولئك الطلاب الذين درسوا بعض الدراسة، لكن ظروف الحياة حالت دون إتمامهم لدراستهم، ثم توجيه الأمة توجيهاً دينياً واجتماعيا صالحا، ونشر الوعي بينهم.

أما المدلول الثالث: فأعني به الأثر الفكري أو الاجتماعي الذي يتركه أحد أولئك العلماء الكبار فيستجيب له الناس، حتى أولئك الذين لم يجلسوا إلى حلقته، ولم يستمعوا إلى دروسه

=

وإنما وصلتهم إما عن طريق الكتب أو الرواية، أو سريان الأفكار والآراء، وهذا النوع الأخير شبيه جداً بما نسميه اليوم بالمدارس الأدبية، أو المدارس الفلسفية، أو المدارس الفكرية.

على أن هذا التقسيم غالباً ما يكون شكلياً، لأن أولئك

297

296