الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١١٢

الإباضية

العلماء الأعلام لم يكن تأثيرهم مقصوراً على جانب من الجوانب المتقدمة، وإنما يكون نشاطهم وأثرهم ظاهرا في جميع ميادين الحياة … وإنها لخطوات طبيعية للعالم في ذلك العصر أن يبدأ عمله بعد أن يتم دراس بالتدريس للطلبة في مختلف مراحل الدراسة، حتى إذا تمكن مركزه، وثبتت صلاحيته، زاد خطوة أخرى، فألقى دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه بين الناس في

ـته

اجتماعاتهم العامة، وفي مساجدهم، وفي مواسمهم. والواقع أن أولئك العلماء قد وهبوا مقدرة فائقة على توجيه الناس، توجيهاً روحياً عاماً ذا أثر في الحياة، حياة الناس، سواء كان هذا التوجيه علمياً صرفاً، أم كان توجيهاً اجتماعيا، أم خلقياً أم دينيا، ومن اليسير عليك أن تجد أثر هذا التوجيه ظاهراً في الشباب الذي تلقى عنهم العلم في حلقات الدرس، أو في الشباب، الذي استمع إليهم في دروس الوعظ والإرشاد، أو في الشباب الذي عاش في عصر كل واحد منهم، وتأثر بسلوكهم ورأيهم في الحياة، وعملهم للمجتمع وفهمهم للدين، ولست مبالغا إذا قلت: إن بعض تلك المدارس بمدلولها الأخير، لا تزال حية الأثر في بعض جهات الجبل، رغم تغير الحياة في العصر التركي، ورغم قطع الصلة بين حاضر الأمة وماضيها في العصر الإيطالي، ورغم فتنة العصر الحديث في قضايا الدين، والخلق، والسلوك، وانحراف تفكير شباب المسلمين عن الاتجاه الإسلامي. والحقيقة أن رسالة المدرسة في تلك العصور كانت أعمق وأعظم وأوسع من رسالة المدرسة الحديثة، فإن أثرها ما كان ليقتصر على الجيل الذي يتعاطى فيها الدراسة، وإنما كان يمتد

إلى الجيل السابق والجيل اللاحق إنها مركز الإشعاع، يضئ للمجتمع الاتجاهات النبيلة، التي يجب أن تسير فيها القافلة المسلمة في ظلمة الحياة، فهي بذلك تكشف عن مزايا الماضي. وتوضح طريق المستقبل، ثم تسلح جيل الحاضر بكل الإمكانيات التي يستطيع أن يتغل بها عما يعترض اندفاعه القوي من

صدمات

إنني في آخر هذا الفصل أريد أن أتحدث حديثاً مقتضياً عن المدارس التعليمية بالمعنى الضيق، أو بالمدلول الأول: وللقاريء الكريم إذا أراد زيادة اطلاع على المدرسة بمدلولها الثاني أو الثالث

أن يرجع إلى فصول هذا الكتاب المختلفة، فإن أكثرها يعالج هذه الشوؤن، منذ أسس عمرو بن يمكتن أول مدرسة "بأفاطمان " بدأت المدارس تنتشر بسرعة في جميع الأنحاء وتؤتي ثمارها في أسرع وقت ممكن ولو أن حركة المد والجزر بين هذه المدارس - وتقوى بعضها، وضعف البعض الآخر – أمر طبيعي، وذلك نتيجة لشخصيات وإمكانيات الرجال الذين يكونون هذه المدراس أو يديرونها.

ويجدر بي

وأنا أتحدث عن المدارس التعليمية أن أشير إلى تكون حركتين هامتين ترافقان التعليم في ذلك العصر.

الأولى: أتخذ أصحاب تلك المدارس نظما شبيهة بنظم الأقسام الداخلية المعروفة اليوم. يأوي إليها الطلاب الذين يفدون من أمكنة بعيدة، فيجدون فيها المأوى والغذاء والتعليم، والإشراف التربوي السليم، ويقدم الغذاء والمأوى مجاناً للطلاب الفقراء، أما

299

298