الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١١٨الإباضية
فكانت الحركتان متساندتين متعاونتين تكمل كل واحدة منهما الأخرى: على أن العلماء من الفريق الأخير يجدون فراغاً من الوقت أكثر من زملائهم، ولذلك فقد كان إنتاج أبي طاهر في التأليف أكثر من إنتاج أبي ساكن، وكان إنتاج التندميرتي في هذا الميدان أكثر من إنتاج أستاذه وزميله الباروني.
أبو خليل الدركلي
" دركل " كانت قربة جميلة تقع على قمة جبل شامخ بين الجزيرة وأم صفار، ترنو في زهو وإعجاب إلى السفح الفسيح الذي يمتد بين الجبل والبحر، تشقه أودية خضر تتلوى كالأفاعي المسحورة، وفي هذه القرية الجميلة نشأ أبو خليل صال الدركلي! نشأ طالباً. من أنجب الطلاب، يرافق فتية من أترابه إلى الجزيرة ليغترفوا العلم ويقتبسوا الخلق ويأخذوا السيرة العطرة من أبي المنيب محمد بن يانس، وفي هذه المدرسة العظيمة التي خرجت
مجموعة من أعلام الإسلام تخرج أبو خليل.
اقتدى أبو خليل بأستاذه في علمه وعمله وسيرته فأسس هو الآخر مدرسة كانت خيرا وبركة وفي هذه المدرسة التي أسسها الدركلي وتولى التدريس فيها زمنا غير قصير تخرج العلامة الكبير، نذير زمانه، أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي.
كان أبو خليل صال من أولئك الأفذاذ الذين يملكون إرادة دونها الحديد وعزما لا ينتهى دون الغاية وجداً متواصلا في عمل الخير. كان يقول للطلبة: احضروا المجالس ياكسالي، فقد حضرها من حضرها، ما يعوقه مابينه وبين قابس وما بينه وبين فزان حتى
وقع قطاع الطرق عليه فجرحوه. سبعة عشر جرحا، والتجأ إلى مغارة فمكث فيهاحتى شفي من جراحه، ما أكل ولا شرب إلا
ما يراه في الحلم، ثم خرج من مغارته تلك، وواصل طلبه للعلم، حتى بلغ الغاية، وأصبح مرجعا: ومع أن أبا خليل لم يذكر اسم وصاحب القصة إلا أن الطلبة كانوا يعرفون أن صاحب القصة إنما هو أستاذهم أبو خليل. وكان من أكثر الناس عبادة ومحبة للصلاة، ينطلق في ظلام الليل إلى المسجد يمكث فيه ما شاء الله: يصلي ويطيل في ذلك. وقد يعود من قريب، فسألته زوجته عن اختلاف أحواله وإطالته الصلاة في بعض الليالي، وتقصيرها في بعض الليالي الأخرى، فقال لها: إن النفس إقبالا وإدباراً، فإذا وجد المؤمن في نفسه إقبالا اغتنم واجتهد، وإذا لم يجد في نفسه تمسك بالفرائض وأداها حتى ينشط، لئلا يمل. وقد تكلف أنواعا من العبادة لا يقوى عليها غيره فقد يجعل ليلة كاملة في ركعة واحدة وقد يجعلها في سجدة واحدة.
قد يبتسم بعض الناس ساخرين وهم يقرأون هذه الكلمات. ويقولون في أنفسهم: ولماذا هذا العذاب، والله لم يكلف البشر إلا ما يطيقون: والجواب على هذه الإبتسامة الساخرة، تعرفه من أحوال أصحاب الإرادة القوية، الذين يخضعون قوى أجسامهم لإرادتهم: فهم لا يجدون من المشقة إلا ما تجده نحن من الأحوال العادية؛ ذلك لأنهم راضوا أجسامهم وأخضعوها لمطالب أرواحهم، ثم إن في أخبار هذا الشيخ نفسه الجواب على هذا
311
310