الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١١٩الإباضية
التساؤل، فإن الرجل الذي تقوى عنده الإرادة هذه القوة فيتغلب
على مطالب الجسد هذا التغلب، ويرتحل بين ليبيا والقيروان وبين ليبيا وفزان عدداً غير قليل من المرات لأجل طلب العلم، ويقع عليه معتدون آثمون، فيجرحونه سبعة عشر جرحا، يصبر لها في الصحراء حتى تندمل وتبرأ دون غذاء أو علاج ثم يواصل بعد هذا العناء كفاحه من أجل العلم.
إن رجلا يملك هذه الروح حقيق أن يأتي بالأعاجيب، ونحن لو تأملنا حديثه مع زوجه الوفية لأستطعنا أن نعرف كيف تربي النفوس، وكيف يغنم المؤمن أوقاته كلها في الصلاح، فعندما يجد النفس عازفة عن العمل مديرة عن القيام بأعمال النفل يرجع إلى البيت ليقضي حقوق الأسرة فيحادث الزوجة ويداعب الأطفال. إنه يؤدي واجبات الزوج والأب، وعندما تأذن ساعة الكفاح لنشر العلم بين الطلاب، وإصدار الفتاوى وفصل المشاكل بين الناس، ينطلق إلى هذا الميدان وكله قوة وعزم، إنه يؤدي حقوق المجتمع والأمة، وعندما تهفوا روحه الزكية إلى مناجاة ربه ينطلق إلى المسجد، فيؤدي واجبات المؤمن التقي: تلك الواجبات التي درب عليها نفسه، فكانت فيه ملكة لا يحس معها بالتعب أو السأم لله يسبح بحمده ويقدس له. فإذا قضى حق ربه واطمأنت نفسه. انطلق الى الكفاح: الكفاح من اجل الأمة، أو
وهو
ساجد
الكفاح من أجل الأسرة. أبو القاسم البَغْطُوري
" بغطورة " مدينة منبسطة على مرتفع سهل من أراضي
الحرابة اليوم، بين جريجن وتمنكرت " بقيقيلة " وفي هذه المدينة التي لم يبق منها إلا أطلال مساجد تشهد للتاريخ بما كان للسلف - نشأ أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري في بيئة مؤمنة، عالمة بدين الله، عاملة. به، حريصة على الاغتراف من مناهل العلم الصافية. قال فيه أبو العباس: " بقية الحافظين، واعتماد أهل الدنيا والدين، بل كان من الراسخين ". درس في مدرسة أبي ذر أبان بن وَسِيم في " ويغو " ومنه تلقى العلم وفيها تخرج، ثم كون مدرسته في هذه المدينة المنبسطة على ذلك المرتفع الفسيح، الذي تنحدر منه شعاب تزدان بأشجار الزيتون والنخيل.
صار أبو القاسم مرجع الفتوى والتدريس بعد وقعة مانو التي أكلت رجال العلم وأبطال الكفاح. أما هو فلم يحضر تلك الحرب الضروس لكبر سنه، وكان قد تجاوز المائة حينئذ، وبارك الله في عمره فعاش ما لا يقل عن مائة وثلاثين سنة، ضعف فيها جسمه ووهن عظمه، ولكن عقله النير كان يزداد استنارة وعلمه الغزير يزداد غزارة. ولسانه الفصيح يزداد طلاقة. قضى هذا العمر الطويل في نشر العلم وبث المعرفة وتهذيب النشء، وتعليمهم سيرة السلف الصالحين. كان مرجعا في جميع فنون العلم، وقد كافح بعد وقعة مانو كفاح الأبطال لتكون جيل جديد يتحلى بما يتحلى به أسلافه من خلق وعلم ودين، ولم تمض السنوات الثلاثون الأخيرة من
313
312