الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٤الإباضية
الباكر، يعترض السابلة، يتلقى منهم آيات من كتاب الله.
حتى
إذا امتلأ لوحه رجع إلى البيت ليستظهر ما كتب من آيات بينات، فإذا حفظها رجع إلى الطريق، ولم يمض عليه وقت طويل في هذا الكفاح حتى حفظ كتاب الله وكثيرا من سنة رسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ اطمأنت نفسه، ويرجع إلى " أفاطمان " هذه القرية الحبيبة إلى نفسه، والتي لم يبق منها اليوم إلا آثار، بين الحرابة والرحيبات من جبل نفوسه. وفي هذه القرية فتح عمرو ابن يمكتن أول مدرسة لتعليم كتاب الله. فكان الناس يقبلون عليه في شغف ورغبة.
شاهدة
لقد أنجبت دَمْرًا بنت دَرْجو الحمدانية هذا البطل وهو أصغر أبنائها وحسبها ولداً.
كافح مفرداً فحفظ كتاب الله من السابلة. وافتتح أول مدرسة قرآنية، ما لبثت أن أصبحت مناراً يشع النور والعلم والإيمان في كامل جبل نفوسة، بل في كامل الجزء الجنوبي من ليبيا، وصارت " أفاطمان " منذ ذلك الحين مقراً لأهل العلم والفضل والدين.
أما عمرو بن يمكتن فلم يلبث أن أنتقل من أفاطمان، انتقل ليكافح كفاحاً أعظم خطراً وأهم شأناً في واجهة أخرى. بايع الإباضية أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح أميراً للمؤمنين على ليبيا وما جاورها بايعوه على أن يقيم فيهم كتاب الله، ويحكم بينهم بحكم الله .. ، ويسير بسيرة الخلفاء الراشدين، وأن يرد عنهم عدوان المعتدين، وطغيان الطاغيين
وسارع إليه المؤمنون الذين ملوا الجبروت والجور والظلم، وكان من سرعهم إليه وأخلصهم لإعادة حكم الإسلام كما أنزله الله. عمرو بن يمكتن، وعرف الإمام دينه وخلقه وأمانته فوثق به، وَمَنْ لا يثق بمثل هذا الرجل القوى الأمين؟ فجعله قائداً على بعض الجند في حروبه الأولى، ثم عينه عاملا على سرت، ومن أولى بعمالة سرت من عمرو بن يمكتن، هذا الرجل الذي عرف مسالك البلاد وطبائع أهلها وهو طالب علم يقتبس الحكمة والهدى من حملة كتاب الله.
" سرت " هي طريق العباسيين للعدوان ونجدة المعتدين. ولذلك كان أبو الخطاب يلتمس لها عاملا تتوفر فيه معرفة البلاد وطبائع أهلها، والقوة في دين، والعلم بأحكام الله، والشجاعة في مواطن الكفاح، واليقظة والحذر والذكاء. ووجد هذه الصفات في هذا البطل، فجرى به التعيين. وذهب العالم الحافظ البطل إلى هذا الثغر ليحول دون غارات الأعداء، وليذيق سكان تلك الجهات طعم السيرة المرضية، السيرة التي دعا إليها دين الله، وسار بها المؤمنون حقاً لقد اتخذ أبو الخطاب مركز الدولة في طرابلس وكانت أهم الثغور عنده هي سرت والقيروان، واختار الإمام أقوى رجلين عنده ليجعلهما في هذين الثغرين، فولى عمرو بن يمكتن الأفاطماني على سرت وولى صديقه وزميله في الدراسة عبدالرحمن بن رستم على القيروان. وهذا يدل أن منزلة والي " سرت " في ذلك الحين لا تقل عن منزلة عبد الرحمن في نفس أبي الخطاب
47
46