الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٥الإباضية
، ولعل مركز سرت في ذلك الحين وهي معبر الجند والقوات أهم من مركز القيروان وهي مقصد الخوارج والمعتزلة وموطن الثورات والشغب.
أخذ العامل الحازم يعمل بما يقتضيه هذا المنصب: ينشر العدل، ويوصل الحقوق ويقيم أحكام الله ويسير بين الناس سيرة المؤمن بين إخوانه المؤمنين، وكان مستمداً لمحاربة الجيوش الغازية. لا يخشاها، وقلوب الناس معه وهم راضون عنه محبون ا له، ولم يكن يخشى من تلك الجيوش إلا المباغتة حينما ينصرف الناس إلى أعمالهم وقد أمنوا العدو. ولذلك فقد كان لا ينفك يسأل عن تحركات العدو ونواياه، ومن مأمنه يؤتى الحذر.
إن عمرو بن يمكتن الذي يسير بسيرة أبي الخطاب لم يكن يتخذ جندا مقيما تدفع له الرواتب، وهو ينتظر الساعة التي يدعى فيها إلى الحرب كما يفعل بنو العباس، ولما كان يسير سيرة الخلفاء الراشدين، عندما يخرب الأمر ويقتضي الدفاع أو إعلان الحرب، يدعوا الناس إلى التطوع فيتطوعون وهم يؤمنون بالفكرة، ويحاربون عن مبدأ، حاولت الجيوش العباسية أن تحارب أبا الخطاب علنا، فلم تسطع، وانهزمت هزائم منكرة في عدة وقائع، ولذلك لجأت إلى الحيلة.
كان محمد بن الأشعث الذي عينه أبو جعفر المنصور لمحاربة ألف أبي الخطاب، وجعل تحت قيادته جيشا يتكون من سبعين جندي معد للقتال يعرف أنه لا يستطيع أن ينازل هذا الإمام القوي في جند يحارب عن مبدأ، ويدافع عن حق، فلجأ إلى
الحيلة.
أوعز إلى من يخبر عمرو بن يمكتن عامل الإمام أبي الخطاب أن محمد ابن الأشعث لا يحاربه إلا علناً، وفي وضح النهار، وقال له (لا يأتيكم ابن الأشعث بغفلة، وهو في جند أمير المؤمنين برجال مشمرين، وخيل مضمرات، وسيوف مهندات، بل يأتيكم جهاراً نهاراً) وهكذا أمن عامل أبي الخطاب على سرت من المباغتة، ثم أظهر ابن الأشعث أنه ينوي الرجوع، وأمر جيشه
بالتحرك
، وقتل من اعترض الفكرة، فكره الرجوع، فانطلت الحيلة على أصحاب أبي الخطاب وهم كما قلت سابقا متطوعون، والموسم حصاد، ففضلوا أن يذهبوا إلى كفاحهم من أجل الحياة موسم ما دام الخطر بعيداً. ورغم تحذير أبي الخطاب لهم وفهمه لنوايا ابن الأشعث، إلا أن القوم تفرقوا، وعندما فهم ابن الأشعث أن حيلته انطلت على أصحاب أبي الخطاب، وأنهم تفرقوا عنه، أغذ السير، وجاءهم على حين غفلة، وقتل عامل سرت فيمن قتل من الأبطال، وتم النصر لابن الأشعث وجنده، وارتكبوا من الجرائم - بعد الحرب - ما تعوده العمال الظالمون، من نهب وسلب وتقتيل واتباع للفارين وترويع للآمنين المسالمين، وانتهاك للحرمات التي صانها الإسلام، وحفظها الإيمان بالله
وفي هذه الموقعة الحاسمة التي وقعت في تاورغا استشهد بطل من أشد الأبطال، وعالم من أعظم العلماء، ومؤمن من أخلص المؤمنين، فاختتمت صفحة بيضاء من صفحات التاريخ الإسلامي، سجلت عليها مآثر في كفاح النفس وكفاح الجهل
49
، وكفاح العدوان.
48