الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٢٠

الإباضية

عمره المبارك حتى كان له شباب لا يقلون عمن سـ بقهم علما وخلقا وشجاعة، وتبوأوا الأماكن الخالية التي كان يشغلها أبطال أكلتهم حرب مانو المسعورة.

ولحاجة الناس إليه لدرس الوعظ والإرشاد، كانوا ينقلونه من مسجد إلى مسجد محمولا ولا تزال إلى اليوم أخبار تتناقلها ألسنة العوام عن شيخ ينقل من مسجد، إلى مسجد وإن كانوا لا يعرفون الشيخ ولا العصر الذي عاش فيه.

قال له طلابه يوماً انكتب عنك ما سمعنا؟ فقال: " اكتبوا ولو بأقلام النحاس: صُمَّتْ أذن نسيت ما سمعت "

لقد كان لا يمل من التعليم، ولا يمل من رواية السير والتاريخ كما كان في عهد الدراسة لا يعرف للتعب معنى، ولا يذوق للنوم طعما إلا غراراً في الأوقات التي يأوي فيها الناس إلى النوم. ويشبعون: تقلبا في المضاجع.

كان حريصاً أن لا تفوته دروس أستاذه أبان حتى دروس الوعظ والإرشاد التي يلقيها ذلك العلامة الكبير في المسجد العامر، فكان يقطع المسافة الطويلة بين بغطورة وويغو كل ليلة، فيحضر صلاة العشاء الآخرة يستمع إلى الدرس العام الذي يلقي في المسجد بعد الصلاة، ولم يحدث أن تأخر عن صلاة الجماعة وحضور هذا الدرس العام إلا مرة واحدة سبقه فيها شيخه إلى المساجد ولم تتكرر تلك الحادثة قط حتى تخرج البغطوري واشتغل بالتدريس.

إن المسافة بين بغطورَة وويغو لا تقل عن ستة أميال. ومع

ذلك فإن البغطوري عندما التحق بهذه المدرسة لم ينقطع عن الدراسة، ولم يتكاءَده تسلق الجبال وهبوط الأدوية حتى بلغ الغاية وظفر بالمراد.

وهذه الإرادة القوية والعزيمة الصادقة التي تحمل النفس على ماتكره هى نفس الإرادة التي لا تخاف لومة لأئم في دين الله، ولا نهادن عدوا من أعداء الله، مهما كانت الظروف والملابسات .. دعاه رجل من أهل تمنكرت ليبيت عنده، فكان يسير معه حتى لقى يهوديا، فقال له التمنكرءتي: مرحبا مرحبا وأطهر له الفرح والبشاشة فغضب البَغْطوري من الترحيب بعدوا و الله. وقال لصاحبه: لا رحب الله بك ولا به، ثم قفل راجعا ..

إنه موقف المؤمن الذي لا ينظر إلا إلى الله، ولا يعمل إلا

بكتاب الله.

الا جِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ كان أبو القاسم قوياً في إيمانه، قويا في أخلاقه قوياً في

صبره واحتماله.

افتقد

الناس العلماء بعد وقعة مانو فتواردوا على أبي القاسم من كل مكان وكان شيخا هرما ولكنه صبر لأسئلتهم. فكان يتململ في مجلسه وهو يحيب على الأسئلة التي توجه إليه ويقول: الكبر عيب، وبلغه نعي ولده في وقعة مانو فدخل على زوجته وقال لها: إن صدقت الناعي كما صدقته فاعتدى، وكان ذلك كل ما بأبداه من الحزن والأسف.

315

314