الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٢١

الإباضية

وتزوج آخر عمره امرأة كان يأمل أن تحفظ عليه شيخوخته ولكنها كانت امرأة سوء فاحتملها الله وحفظته ابنة أخيه جانا، فكانت تقوم له بكل لوازمه من غسيل وطعام وغير ذلك،

لحق بربه

أبو يحيى الفرسطائي

حتى

فرسطاء هي اليوم قرية صغيرة ناتئة في صدرجبل عال كأنها ثدى عملاق، وقد كانت - من قبل - مدينة كبيرة تتناثر منازلها على صدر الجبل وجوانبه وقمته، وفي هذه القرية التي يهدهدها هذا الجبل الشامخ في حب وحنان نشأ أبو يحيى زكرياء بن أبي قاسم يونس الفرسطائي على ما نشأ عليه زملاؤه من أهل هذه القرية العامرة بالإيمان، محبا للعلم مجتهدا فيه، ولما أخذ مبادئ العلم عن شيوخ مدينته ورغب أن يتم دراسته، ذهب إلى عاصمة الجبل شروس ليلتحق بالمدرسة العظيمة مدرسة ابن ماطوس، ولكن العاصمة الكبرى ضاقت به فقد امتلأت الأقسام الداخلية التابعة للمدرسة، حتى لم يبق بها مكان، ورجع إلى أهل المدينة فلم يجد مسـ كناً في أكبر مدينة بجبل نفوسة، لأن جميع المنازل غصت بالطلاب الذين يقبلون على اغتراف العلم من منبعه العذب. وحار الطالب الذكى في مصيره، وذهب إلى ابن ماطوس يستشيره في أمره، فأسف الشيخ الكبير أن يحرم هذا الطالب النجيب من الدراسة في مدرسته لأنه لم يجد مسكناً في مدينة تحتوى على آلاف المنازل، وقال له ناصحاً: إني أدلك على من لو عرفه الناس لتزاحموا على بابه كما تزاحموا على باب أبي عبيدة في البصرة عليك بأبي هارون الجلالمي! …

والتحق الطالب الذكي بهذه المدرسة التي لم تزل ناشئة لم يكثر عليها الإقبال، ولكنها ما فتئت أن أصبحت من أعظم المدارس التي قدمت للأمة المسلمة الخير الكثير وصدقت فراسة ابن ماطوس، فتزاحم الناس على باب أبي هارون الجلالي، كما تزاحموا على أبي عبيدة وكما تزاحموا على بن ماطوس، وكما تزاحموا على منابع العلم في كل مكان ..

درس

أبو يحيى في هذه المدرسة، ومنها تخرج وكون مدرسته في القرية الجميلة القائمة على صدر الجبل. وفي هذه المدرسة تخرج عدد غير قليل من العلماء الأعلام من بينهم أبو محم خصيب بن ابراهيم.

حمد

خلقه

كان أبو يحيى قويا في دينه قويا في علمه، قويا في. قويا في بدنه، لقد أضفى عليه المولى نعمة القوة في كل أحواله، وكان دائم الكفاح لا يمل ولا يفتر، يعمل في حقوله ومزارعه كما يعمل الفلاحون المخلصون لمهنتهم، ويعمل في مدرسته كما يعمل المدرسون المخلصون لرسالتهم، ويعمل لربه كما يعمل المخلصون في عبادتهم. وكان داعية خير وهدى لا يكف ولا يمل عن الدعوة إلى الله فإن كان بين المسلمين دعاهم الى فهم دين الله والتمسك بهدي محمد صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه، وسيرة الصالحين من المؤمنين، وإن كان بين أقوام لا يؤمنون بالله دعاهم إلى الإيمان وحبب إليهم الإسلام. سافر يوما إلى بعض بلاد السودان - وكانوا وثنيين – فلم يزل

317

316