الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٢٢الإباضية
يدعوهم إلى الإسلام حتى بلغ أمره إلى ملكهم، فاستدعاه، ولما ورد أبو يحيى على الملك ألفاه ناحل الجسم، ضعيف القوة، فسأله أبو يحيى عما به؟ فقال الملك: إن هذا من خوف الموت فدعاه أبو يحيى إلى الإيمان بالله وأخبره بالجنة والنار، ووصف له أحوال المؤمنين في دار الخلود وما أعد الله لهم من خير، ولكن الملك أرتاب في أول الأمر، وقال له: لو صح عندك ما تقول ما بلغت إلينا في طلب الدنيا، فلم يزل أبو يحيى يذكره آلاء الله ونعمه، ويذكر له أن الله دعا المؤمنين إلى الضرب في الأرض، السير في الآفاق، والنيل من طيبات الرزق، حتى أسلم وحسن إسلامه. والمؤمن الصادق لا يكف عن الدعوة إلى الله في أي مجتمع كان، فلا يفر بنفسه عن الناس، إنه لا يفر إلا الضعيف الذي يخاف على نفسه، والضعيف لا يستطيع أن يؤدى رسالة، أو يبلغ دعوة.
أبو محمد التمصمصي
تمصمص قرية تقع جنوب طمزين قريبا منها، وقد عفى عليها الزمن وامحت أطلالها وأنقاضها ولم يخلدها التاريخ إلا بنسبة عدد من الأعلام الذين أنجبتهم إليها.
نشأ أبو محمد خصيب بن ابراهيم التمصمصي في هذه القرية التي تقع على منبسط من الأرض، تحيط بها غابات كثيفة من شجر الزيتون والتين وفيها تلقى المبادئ الأولى من دراسته، ثم التحق بمدرسة أبي يحيى الفرسطائي، ولكنه كان يحس في نفسه. ظمأ إلى مزيد من المعرفة، فذهب إلى " لالوت
11
" موضع الأشياخ والعلم، كما يقول أبو العباس، والتحق بمدرسة أبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي، فأتم هناك دراسته، وتخرج منها علما من أعلام الإسلام ومرجعاً من مراجع الثقافة، وسنداً قويا للمؤمنين في الاهتداء والهداية إلى طريق الله
القويم.
عد أن تخرج رجع إلى بلده تمصمص، وهناك أسس مدرسته الشهيرة التي تخرج منها فطاحل العلماء، بها أنها وحسد المدرسة التي درست فيها العالمة البطلة أم ماطوس، التي
80 - 11
تغلبت على إرادة البيئة من أجل طلب العلم، والتحقت بهذه المدرسة العظيمة، فكانت تحضر إليها من " جَارٌ إصْراً " والمسافة بين المحلين ليست قريبة، ثم أصبحت ممثلة للمرأة في المجالس العلمية التي يعقدها المشائخ للمناقشة والدراسة في مختلف المحال، فلا تغيب عنها - سواء انعقدت في جناون أو في " تَنْدُوزيع - أو في غيرها من الأماكن كافح أبو م محمد من أجل العلم - دارسا ومدرسا - بكل ما أوتى من جهد وقوة وإخلاص، وكان كريما، يبذل ما يصل إلى كفه من مال، فقد كان لا يجعل للدنيا حسابا، ولا يعرف للمال قدراً. ومهما دخل يديه من ثروة سواء كانت هذه الثروة نقوداً أو كانت ماشية أو كانت محاصيل زراعية فإنها لن تبقى عنده أكثر من سنة، وقد يدخل يده في بعض السنوات ألف مودى من الحبوب، تتم السنة حتى ينفق هذه الثروة الطائلة من الحبوب ولا يبقى عنده شئ من المال، وكثيراً ما عاتبه ولده، وعاتبته زوجه على هذا الإنفاق، ولكنه لم يكن ليستمع إلى كلامهما، فإن من طبع على خلق الكرم وتعود الإنفاق، لا يملك نفسه عن البذل
فما
319
318