الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٢٣

الإباضية

عندما تتهيأ ظروف المعروف. وكم طالبه ولده أن يشتري الأملاك الثابتة حتى يخلفها له كما يخلفها الآباء لأبنائهم، ولكن أبا مح محمد لم يستجب لهذا الطلب الذي لا يوافق طبعه، ولا يجري على خلقه، قال له ولده يوما: إنك لست بكيس يا أبتاه! … فأجابه الشيخ: الكياسة يابني عدوة الإسلام، ومعروف أن الكياسة المقصودة في هذا الحوار تعني الشح والتقتير والإدخار وتأثيل الأموال.

عاش أبو محمد فقيراً، لأنه ينفق جميع الأموال التي تصل يده في وجوه البر وعندما كبر وامتدت به الحياة، وضعف عن الكسب، احتاج إلى المساعدة.

ولقى رجل من الذين لا يغفلون عن الأمر بالمعروف، لقى هذا الرجل أبا عبدالله محمد بن جنون كاتب أبي زكريا فقص عليه أخبار أبي محمد التمصمصي والحالة المؤسفة التي وصل إليها من الفقر والضعف والشيخوخة. فأسف أبو عبد الله وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون … لي مال ومثل هذا الشيخ الذي هو جرثومة من جراثيم الإسلام تصل إليه الضيعة. ثم وضع يده في جيبه فوجد فيه واحداً وعشرين ديناراً فأعطاها للرجل وطلب منه أن ينفقها على الشيخ، فإذا نفذت رجع إليه، ورجاه أن لا يخبر أحداً بحاجة الشيخ، ولا بمساعدة أبي عبد الله له.

وذهب الرجل بهدية الصديق إلى أبي محمد، فلم ينس أبو محمد طبعه الذي دأب عليه منذ عرف الخير والشر، ولذلك فما تسلم المبلغ حتى أخذ منه دينارين أنفقهما في سبيل الله، وما

أحد من

أتم الباقي من المبلغ حتى توفاه الله إليه. وكان أبو عبدالله محمد بن جنون ذا علم وفصاحة وبراعة في النقاش لا يقوى على نقاشه العلماء، ولكنه إذا حضر مجلس أبي محمد خصيب التمصمصي وقف منه موقف التلميذ من الأستاذ لا يرفع إليه بصره، ولا يناقشه في سؤال. وهذا الموقف من أبي عبدالله يدل عليمكانة الشيخ

الكبرى.

درس على أبي د محمد خصيب عدد غير قليل من كبار العلماء. ومن أنجبهم أبو زكرياء يحيى بن سفيان اللالوتي. أما فتاواه ومواعظه وتوجيهاته وأقواله في الفقه فقد بلغت كل مكان. وامتلأت بها بطون الكتب. أبو يوسف وجدليش

"يوجلين " قرية واقعة على زاوية مثلث من جبل شامخ متجه إلى مغرب الشمس. وعلى القدم اليسرى لهذا الجبل الشامخ الضارب في الهواء تستلقى جناون الجميلة. والواقف على قمة هذا الجبل فوق الأبراج المتينة التي شادتها هنالك سواعد الأجداد القوية ليحرسوا منها مدخل جناون يشاهد مدينة "مزغورة " رابضة فوق منبسط فسيح من الجبل المقابل، فإذا انحطت عيناه إلى الشمال قليلا رأى في السفح قرية " شكشوك " كأنها نجمة يحيط بها هلال أخضر من نخيل، ومن هنا وهناك حول هذه القرية الجميلة تنحدر أودية خضراء ملتوية، تتقارب وتتباعد حتى تذوب في الأرض المبنسطة التي تتكون منها حقول القمح

321

320