الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٢٤

الإباضية

والشعير.

وفي هذه القرية. وعلى رأس هذا المثلث ولد أبو يوس وجدليش

ف

بن في، وصافحت عيناه النور وتمتع منذ صغره بالجمال الذي اضفاه الخالق على طبيعة هذه المنطقة. وهل أجمل من أن يقف الإنسان في " يوجلين " ويستدير ببصره من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين؟ يرمى ببصره إلى المشرق فيمتد غابة زيتون ونخيل تحجب لون الأرض بخضرة داكنة، فإذا بين استدار قليلا طالعته المبانى العالية " للقصير، وأشباري، وجادو " متراكبة كأنها ناطحة سحاب من صنع الخالق، ومن هناك ينزلق بصره إلى " تموقت " التي تقع فوق سرة هذا العملاق العظيم ومنها ينبع النهر الخالد الذي يروي الناس والشجر، وعلى قدمي هذه القرية الصغيرة ملاءة خضراء من شجر النخيل والأعناب

والتين، وتحتها تستلقي جناون في استرخاء كأنها تغط في حلم لذيذ، يتصاعد أمامها إلى الجنوب وادي جناون الجميل فيكون ثلالا في مَاصَرء، وينعقد بحيرة في الزرقاء، ومن هذه البحيرة التي لا تزال إلى اليوم مصيفا لسـ كان الجبل ومقصداً للسواح الذين يزورون ليبيا. من هذه البحيرة ينحدر الوادي وترتفع عينا الناظر مع الجبل المقابل فيجد مدينة " جمارى " التي: تسكنها جدة المشائخ " مارن " " وندباس " التي يقع فيها أبو نصر، ثم " مزغورة " التي ترتفع منها صومعة أبي زيد كما ترتفع المنارة الحدباء، فإذا استدار إلى الشمال انحطت عيناه على أرض الجفارة الفسيحة التي تشبه أن تكون زربية بسطتها هنالك قدرة الخالق في أيام

الربيع.

يوس

ف

على هذه القمة وبين هذه المناظر الفاتنة نشأ أبو جميلا، صريحاً حنوناً، يملأ قلبه الكبير حب للحق يستولي على مشاعره، فكان بذلك مؤمنا من أولئك المؤمنين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: (أَذَلَّةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ يعرف الحق ويسير معه أني سار لا تأخذه في الله لومة لائم. أخذ على نفسها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فقام بهذه الفريضة كأحسن ما يقوم مؤمن بواجب من واجبات الدين، لا يعرف الغفلة ولا المسايرة ولا المداهنة في دين الله حتى إذا قام الحق واستقام الناس على الطريق. وغلب أمر الله، لزم نفسه. فكان ألين الناس خلقا وأطيبهم نفساً، وأكثرهم حبا وحناناً للمسلمين وعلي المسلمين.

جعل إليه أمر السوق في " جادو " خوفا من أن يقصده أولئك الذين دخلت اموالهم الريبة من الأموال المغصوبة التي يبتزها الحكام الظالمون وأتباعهم، أو الأموال المنهوبة التي يسـ

ــرقها أقوام لم تطمئن قلوبهم بالإسلام. ولم تخضع جوارحهم لأحكام الله، فكان لا يستطيع أحد أن يبيع شيئا في مدن الجبل إلا بعد أن يعرف مصدر ذلك المال. وكان أبو يوسف رقيباً فطنا في سوق جادو فما يستطيع أحد أن يبيع شيئاً إلا إذا أذن له. ولا يأذن أبو يوسف إلا إذا تحقق من مصدر ما يبيعه الناس، وعرف أن هذا المال لم تدخله ريبة، ولم

يملكه صاحبه من حرام، ولم يتعامل مع أصحاب الشبهة. جاء رجل من " إينر " بغنم له ليبيعها في " جادو" فأستأذن أبا

323

322