الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٢٥الإباضية
يوس
ف
مح
في البيع، فسأله أبو يوسف عن نسبه ونسب غنمه ولما اطمأن إلى أن صاحب هذه الغنم ممن لا تتطرق إليهم الشبهة له بالبيع، وجاءه من بعده رجل من "أغل" يستأذنه في بيع غنم، فسأله عن أبيه، فلما عرفه وتحقق أنه يتعامل مع المشبوهين غضب عليه وانتهره قائلا: أفي سوق جادو وتبيع حرام أبيك؟!
ولم يزل به حتى أخرجه من جادو ولم يتركه حتى أوصله إلى ماطس.
وقد جمع إلى هذه القوة في أمر الله، العلم بدين الله، والحب في ازياد المعرفة حتى وهو كبير، فكان إذا ذهب للعمل يأخذ معه أداة العلم من كتاب أو لوح، فيختطف لحظات من الوقت وهو يشتغل ليراجع مسألة، أو يردد شيئا مما يود استظهاره من فنون
عنه
فقد
العلم. وقد جلس للتدريس وأخذ العلم خلق كثير، أما. هو درس على أبي يحيى يوسف بن زيدا الدرفي، وأبي نصر زار بن يوسف التَّفَسْتِي، وغيرهم.
كان يحضر مجالس العلم في دار بني عبدالله في جادو، فإذا انتهى المجلس رجع إلى منزله في " يُوجلين "، وحقد عليه قوم ممن لم يتركهم يبيعون إموالهم المسترابة في سوق جادو، فكمنوا له في الطريق في إحدى الليالي ولما أراد منزله خرجوا عليه من مكمنهم فجرحوه بضعة عشر جرحاً، ولما حضر المشائخ إليه في الصباح وحاولوا أن يعرفوا منه أسماء القوم المعتدين امتنع عن
ذلك، ولم يرض أن يداوي فتنة بفتنة، واحتسبها الله. ولكن هذا الموقف الظالم لم يمنع الشيخ من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يمنعه من حضور مجمع العلم في دار بني عبد الله، ولا من الصلاة في "إمراتن" الجامع الذي بنته نفوسة كلها، والذي يعقدون فيه اجتماعاتهم إذا حزبهم أمر أو أهمهم شأن .. أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني جناون مدينة غناء تسـ تلقي في دلال على أقدم جبل أشم وتلعب على سرته القرية الظريفة الضاحكة " تموقَتْ " وتجم على صدره من الجانب الأيمن بلدة " القصير " الجميلة، أما هامته المرتفعة التي تناجى السحب فتتوجها مدينة جادو، العظيمة الحديثة.
أما كتفاه القويتان فقد وقفت على إحداهما " مزو " وعلى الأخرى "يوجلين " تصفق الأولى " للجمارى " وتبتسم الثانية " الزغورة ".
وفي هذه المدينة الحالمة المسترخية على أقدام الجبل متلفعة بغلالة خضراء نسجتها يد الطبيعة الساحرة، تخترقها جداول المياه المنحدرة مع شلال القصب " إيغَانِيمَنْ " نابعة من نهر " تموقت " الثرار وتحيط بها الأشجار الباسقة الكثيفة من زيتون ونخيل وكروم، وتناجيها الشمس الغاربة على صومعة أبي زيد.
فتبعث إليها قبلات المساء مع الأشعة الصفراء الدافئة .. في هذه المدينة الجميلة الفسيحة التي كانت منبعاً من
325
324