الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٢٦الإباضية
منابع العلم، ومركزاً من مراكز الإيمان، وحصنا لإنتاج الرجولة والبطولة والفداء، في هذه المدينة التي استعصمت على قوى المورفي حين طاش به الغضب، وظن أنه أوتي من القوة ما يقضي به على الحياة، فأضرم النار ليحرق هذه المدينة وما يحيط بها من أجنة وبساتين، فاحترق ما يزيد عن إثني عشر ألفا من شجر الزيتون، ولكن جناون بقيت صامدة له وللتاريخ، وقد أحرق التاريخ الميورقي وأضرابه من الظلمة، بعد أن أحصى عليهم جرائمهم، وبقيت جناون تبتسم للحياة.
وفي هذه المدينة العظيمة نشأ أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، تظهر عليه مخايل النجابة وتسطع على جببينه أشعة الصلاح، وتدل حركاته وكلماته على الذكاء والعبقرية منذ الصغر، وقد ربى تحت رعاية جده أبي الخير فغذى عقله بالمعرفة، وملأ قلبه بالإيمان وعوده السير على هدى الإسلام. فبلغ شهرة علمية لم يصل إليها جده.
وقد عكف على تأليف الكتب فزود المكتبة الإسلامية بعدد من النفائس تزدان بها رفوفها العامرة، ولقد أصبح مرجعا يقبس منه العلماء والطلاب، ويرجع إليه الباحثون والمتطلعون إلى
المزيد ..
درس في المدينة العلمية " إبناين " على العلامة أبي الربيع سليمان بن أبي هارون الباروني ولما أتم دراسته هناك ورجع إلى بلده جناون، اسندت إليه الفتوى، فكان نعم المفتي، لا يعيا بجواب ولا يقف في سؤال. ولا يعسر عليه حل مشكلة من مشاكل
المعرفة. وكان سمح الخلق، لين العريكة كريم اليد، ولكنه مع الصفات اللينة كان شديدا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يؤثر عليه موقف من المواقف، يقول فيه أبو العباس الشماخي
: " كان اعتماد أهل نفوسة على كتبه، حفظا وفتيا لكونه أودع فيها المأخوذ به من الأقوال، وربما ذكر الخلاف، وهي كتب مفيدة في الأحكام. " وإن رجلا يجوز ثقة أمة فتعتمد كتبه في دينها وأحكامها، رجل بلغ الغاية.
وهو إلى هذا الاطلاع الواسع والعمل المتواصل في التأليف، كان جم النشاط، موصول الجهد في نشر العلم وبث المعرفة وقد درس عليه كثير من العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، ويرجع إليهم في عويص المسائل، ومعضلات المشاكل.
أما حرصه على التعلم وجده في الدراسه. وإقباله على الإطلاع، فقد كان مضرب الأمثال. بين الأقران ويكفى أنه بقى في إبنائن مدة دراسته على أبي الربيع لم يجد من وقته فراغاً يقضيه في النجول بين أحياء المدينة، أو الإطلاع على البيئة التي تحيط به، فلما أتم دراسته وأراد الرجوع إلى بلده، استأذن من شيخه أن يقوم بجولة يطلع فيها على ما لم يعرفه من البيئة التي قضى فيها زمنا غير قصير من عمره المبارك، وأن يدخل إلى القسم المخصص للنساء في المسجد العامر، الذي كان محلا للعبادة، عامراً بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار كما كان مدرسة تؤدي رسالة التعليم للكبار في دروس الوعظ والإرشاد،
327
326