الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٢٧

الإباضية

تثقف عقول أولئك الناس الذين حرمتهم ظروف الحياة من الدراسة في الصغر فتيسر لهم سبل التعليم، وتنور قلوبهم بما تضفيه عليهم تلك الدروس من هدى وحكمة

أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي

" تملوشايت " مدينة فسيحة تنبسط على قمة جبل شامخ ترنو إلى مغرب الشمس وتناجي زميلتها فرسطاء الجاثمة على ضفة الوادي المقابلة.

في هذه المدينة التي كانت تنافس عاصمة الجبل " شروس " العظيمة في يوم من الأيام. ولد أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي. وعلى هذا المنبسط فوق القمة الشامخة الذي يزدان بشجر الزيتون الأخضر درج، وعلى حوافي الجبل الشامخ كان يثب في خفة الوعل، أو يجلس ورجلاه تتأرجحان على ارتفاع شاهق وعيناه تنطلقان على مدى البصر في سهل الجفارة الذي لا يجد، وخياله يذهب سابحاً منطلقا حرا فوق الغيوم ..

لقد كان لهذا الموقع الشاعري الساحر أثره على هذا الطفل الذي شب في مدينة العلم والجمال: وبعد أن تلقى المباديء الأولية، انتقل إلى المدرسة الكبرى التي كان يشرف عليها خاله أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم، فكان نعم التلميذ لنعم الأستاذ. بلغ في الدراسة مبلغاً لايصله إلا القليل من عباد الله المختارين: ثقافة واسعة، وخلق، رضى، وإيمان قوي، وشدة في دين الله، وقيام بالحق لا يقوم به إلا. ضئيل من أصحاب المبدأ والدين والضمير. إذا ترافع إليه الناس للخصومة جعل بينه

عدد

وبينهم سترا من باب أو جدار أو غيره، حتى لا يغلبه الحياء فيميل

مع أحدهما. وإلى هذا الإيمان القوي والدين القويم، والعلم الواسع، كان شاعراً مطبوعاً ليس له نظير من العلماء الشعراء: تطالع شعره فتجد حكمة المتنبى وجزالة لفظة.

وقد ينظم في العلوم، فتجد في نظمه الشاعر التي تخلو منها المتون الفقهية واللغوية، وإذا كان الشعراء غالبا ما يقضون أعمارهم يهيمون في الأودية، ويتسكعون في المنازه،

ومن

ويلغون في الباطل، فإن هذا الشاعر العبقري كان عاملا دعاة العمل، وجاداً ومن دعاة الجد، ومكافحاً ومن دعاة الكفاح. فاستمع إليه يصف لك طريق السمو والمجد:

وسهر الليالي والسرى والتهجر

سما من

سما بالجد والعزم والصبر

إن الإرادة القوية والعزيمة الصادقة والصبر على المكاره ومواصلة الكفاح في الليل والنهار لهي الوسائل التي ترتفع بالإنسان إلى مراتب المجد والكمال. والشاعر يصور لنا الرجل الذي يظفر بإعجابه وحبه، والرجل الذي يزدريه ويبتعد عنه في بيتين رائعين من الشعر القوي

لدنيا وأخرى عاملا بالتشمر

أحب الفتى ماضى العزائم حازماً

ولا بالجثوم الراكد المتدثر

329

328