الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٣١

الإباضية

فأنجزوا لنا في زمن قصير مجموعة من الكتـ ب القيمة، التي يحق أن تفخر بها المكتبة الإسلامية في كل العصور ويكفي أن نضع على رأس القائمة مؤلفات فيلسوف الإسلام " الجيطالي " ليعرف الباحثون عن التراث الإسلامي أي ثروة تركتها لنا هذه المدرسة العظيمة التي لم يبق منها إلا مسجد فوق ربوة عالية، بين طرميسة، وجادو يصارع الزمن، ويتحدي التاريخ. قد يفهم القارئ الكريم من حديثي هذا أن حركة التأليف في العصور التي سبقت أبا موسى الطرميسي كانت ضئيلة، أو ضعيفة، فإذا خطر لأحد القراء الكرام مثل هذا الخاطر فليعلم أنني لم أقصده أبداً: فإن حركة تأليف الكتب لم تتوقف يوماً من الأيام منذ تشرفت هذه البلاد بالإسلام، وإنما كان الاهتمام بهذا المنحى اهتماما فرديا لا مدرسيا، أما أبو موسى فقد وجه مدرسته نفسها إلى العناية بالتأليف ولذلك فلم يبق أحد طلابه ممن يقوى على القيام بهذه المهمة دون أن يقدم إلى من المكتبة الإسلامية ما يستطيع من نتاج.

وقد استمرت هذه الحركة منذ هذا الجبل، أو هذه المدرسة، جادة نشيطة تؤتي أحسن الثمار.

من

لا يكاد يوجد شخص ممن ينسب إلى العلم في ذلك العصر

لم يدرس في مدرسة أبي موسى؛ وقد تخرج فيها عدد غير قليل العلماء الأعلام، وحسبها أن يكون من طلابها فيلسوفا الإسلام المؤمنان العالمان العاملان: أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي، وأبو ساكن عامر بن علي الشماخي. وحسب

أبي موسى شرفا أن يكون هذان العالمان من طلابه … أبو طاهر إسماعيل الجيطالي

درس

" جيطال ": مدينة فسيحة تقع بين أمسين وإينر، على ربوتين متقابلتين كأنها نهدان على صدر حسناء، تحيط بها من جميع الجهات غابات كثيفة من الزيتون والتين. وفي هذه المدينة الفسيحة نشأ فيلسوف الإسلام صنو أبي حامد الغزالي: أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي. أبو طاهر على أبي موسى عيس الطرميسي، ومن مدرسته العامرة تخرج. وبلغ من فهم الإسلام وأسرار الشريعة مبلغا قصر عنه الطالبون، وتضاءل دون بلوغه العارفون. اشتغل بالتدريس في مدرسة أبي زيد المزغورتي وقد التقى فيها بعد وفاة شيخه أبي موسى بزميله وصديقه العلامة أبي عزيز، ثم انتقل إلى فرسطاء، فقام فيها بالتدريس تسع سنوات كاملة؛ وأخيراً انتقل إلى جزيرة " جربة " وبقى فيها إلى أن وافاه الأجل المحتوم. فحلق بربه.

أبوطاهر الجيطالي: عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي في ذلك العصر، خدم الإسلام بإخلاص المؤمن، وجد العالم، وعمق الفيلسوف، والآثار القيمة التي تركها تحتاج إلى مزيد من العناية والدراسة والبحث، ولو قدمت تلك الآثار اليوم إلى المكتبة الإسلامية الغنية لاحتلت بينها مكانا مرموقا.

ولعل من أعظم ما كتب عن معاني الإيمان وفلسفة الأخلاق: كتابه القيم " قناطر الخيرات " في ثلاثة أجزاء ضخمة، والجيطالي

337

336