الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٣٣

الإباضية

لا يكف عن الكتابة، ولسان لا يكف عن الهداية، وسلوك لا يحيد عن صراط الله السوي، وجوارح لا تعرف التعب أو السأم … إنها جهود جبارة متواصلة متتابعة متعاونة … سافر إلى طرابلس في تجارة، وكانت شهرته بلغت الآفاق، فجمع له الأمير عدداً من العلماء، فيهم قاضي المدينة للجدال والنقاش، فعجزوا عن الوصول إلى شأوه، والتطلع إلى الأفق السامي الذي يحلق فيه. حتى تحداهم فقال: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا. فحقد عليه القوم، ولم يزالوا بالأمير حتى سلبه ماله. وسجنه، وبقى في السجن حتى شفع فيه " ابن مكي " أمير قابس، فأطلق

سراحه.

أقام بفرسطاء مدة من الزمن، تبلغ تسع سنوات، يقوم فيها بالتدريس، ويقيم ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكافح الأمراض الاجتماعية التي تتسرب إلى الأمة بطرق خفية، حتى إذا كثرت استعلنت وفشت! … سمع يوماً بأن خمراً عند أحد الناس، فخرج إليه في جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الصلاح ليغيروا هذا المنكر، ويطلبوا من هذا المنتهك لحرمة الإسلام أن يكف عن معصية الله ويتوب إليه، ولكن أهل العاصي غلبتهم قوة القرابة عن أمر الله، وساقتهم عصبية الدم إلى معارضة حكم الدين، فاعترضوا طريق الشيخ وأصحابه، وامتنعوا عن تسليم المجرم الذي انتهك الحرمة وأعلن المعصية: فرجع الشيخ آسفا، وعزم على الارتحال، ولما تعلق به الناس يمنعونه من الرحيل، ويحاولون دونه قال لهم: لا أقيم في بلد لا يقام فيه الحق، ويمنع المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … وهكذا انتقل

من جبل نفوسة إلى جزيرة جربة. وكان لانتقاله ذلك أثر أكبر من إقامة الحد. وأخذ العاصى بالعقاب، فقد أعلنت المدينة براءتها

من المجرم وأهله، وقطعوا التعامل معه، ونبذوه كما ينبذ المصاب بالأمراض السارية، فضاقت بالرجل وأهله الأرض، وأعلنوا توبتهم. ورجعوا يلتمسون السماح ويطلبون تنفيذ حكم ا الله، وطأطأوا تلك الرؤوس التي نفخ فيها الشيطان فارتكبت أكبر جريمتين في شرع الأخلاق والدين، وهل أكبر من شرب الخمر ودعوى الجاهلية. زار بلده جيطال فوجد العلامة أبا ساكن عامر بن علي الشماخي في المسجد يدرس بعض الكتب بعد صلاة العشاء. والعلامة أبو ساكن من خريجي مدرسة أبي موسى الطرميسي التي درس فيها الجيطالي، وإن كان الجيطالي أسبق من أبي ساكن في حلقة الدرس فهما زميلان بالنسبة إلى المعهد وإن

لم يجتمعا في عهد الدراسة.

وجلس الفيلسوف الكبير إلى العالم الكبير، وجرى بينهما النقاش الممتع الذي يجري بين صديقين ذكيين عالمين، واستمر بهما الحديث إلى أن قاما إلى صلاة الصبح، وأجاب العالم الكبير عن جميع الأسئلة التي وجهها إليه الفيلسوف الكبير، فلم

يتوقف في مناقشة، ولم يع بجواب فكان أبو طاهر يقول بعد

ذلك إذا سئل عن أبي ساكن الشماخي: " عامر وحيد دهره " والرجل الذي ينجح في امتحان يعقده له أبو طاهر، ويناقشه فيه ليلة كاملة حقيق أن يكون وحيد دهره على أن الآثار التي خلفها الشماخي كافية للدلالة على سموق منزلته، وارتفاع مكانته.

??

341

340