الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٣٥

الإباضية

المقدسة حتى استقامت، ووجد أبو عزيز من طلابهما من يساعده على أداء هذا الواجب، فانتقل أبو ساكن إلى "ميتيون " في أرض الرحيبات، وهنالك بقى ثلاث عشرة سنة، استطاع خلالها أن يرجع إلى تلك البلاد عهدها الزاهر في العلم والفضل والدين، ثم رجع إلى مدرسته العظيمة في " يفرن " وبقى بها إلى ان اختاره الله للرفيق الأعلى.

لقد حرص أبو ساكن أن يكون عند حسن أستاذه، فبذل جهداً

لا يقل عن جهد شيخه، وترك من الأثر مالا يزال إلى اليوم. قد يخطر سؤال على بال أحد القراء الكرام فيقول: لماذا ينتقل هؤلاء العلماء من مكان إلى مكان يؤسسون مدرسة في بلد من البلدان وبعد زمن طويل أو قصير ينتقلون إلى بلد آخر فيقومون بنفس الرسالة، ثم لا يلبثون أن ينتقلوا منها. والجواب على ذلك معروف من قواعد المذهب، فإن أولئك العلماء الأعلام يؤمنون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وهم لا يستطيعون أن يحاربوا الجهل أو المنكر أو الفساد أو الإنحراف عن بعد، أو بالمراسلة. ولذلك فهم يدرسون المجتمع ويعرفون جوانب الحياة في كل جهة من جهاته ويلمسون الأمراض التي تصيب الأمة في دينها أو في خلقها. وفي المحل الذي تبدو ظواهر بعض هذه الأمراض يتخذون مراكز علمهم، وينطلق كفاحهم، حتى يستأصلوا الداء ويبيدوا جراثيمه التي تفتك بالأمة، فإذا علموا أنهم قضوا على هذه الأمراض الإجتماعية والدينية الفتاكة، وأمنوا على هذا الجانب من الأمة، ورأوا آثار أعمالهم، انتقلوا إلى

غير ذلك المركز ليقوموا بنفس العمل. إن أولئك الأعلام كانوا يرون أنهم محاسبون على إبلاغ رسالة

الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء بها، ولن يعذرهم ربهم أن يعملوا على تبليغها في مكان واحد وهم قادرون أن يبلغوها في أمكنة متعددة، إنهم يلاحقون هذه الأمراض: أمراض الجهل، والانحراف عن دين الله بالزيغ أو الإهمال، كما يحارب أبطال السيف هجوم الأعداء: فما يسمعون بغارة كبيرة أو صغيرة في طرف من أطراف الوطن حتى ينطلقوا إليها. هكذا كانوا يفعلون، وبهذه السيرة سار أبو طاهر الجيطالي وبهذه السيرة سار أبو ساكن عامر الشماخي، وبهذه السيرة سار عبدالله الباروني، وبهذه السيرة سار عشرات المشائخ الأعلام من قبل هؤلاء ومن بعدهم وفي عصورهم، لا يفتر عزائمهم إعراض الجاهلين ولا هزء المتكبرين، ولا يقعد بهم حب المال أو الأهل أو القرابة. ولا يألفون الاستقرار والإقامة: فما الحياة في نظرهم إلا رحلة متصلة، لا يهم المسافر فيها المكان الذي يبيت فيه، سواء بات " بيفرن أو بِمزغورة أو بِمرْساوَن أو بلالوت " ذلك أنه لايريد أن يتأثل مالا أو يبني قصوراً أو ليعيش حياة رغد ورفاهية.

إن نفسه، لتتوق إلى ذلك وهو يس تعد لها، وإنه ليرجو من الله أن يكون له مايشتهي وفوق ما يشتهي، بعد أن يتم هذه الرسالة الطويلة ويستقر إلى الحياة الوادعة الآمنة التي لا نقله فيها ولا انتجاع .. وعاش أبو ساكن كما عاش أبو طاهر حياة كفاح متواصل لا

345

344