الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٣٦الإباضية
ينتقطع، حتى صح لأبي العباس أن يقول فيهما: " وكان – أي أبو ساكن – مع أبي طاهر كفرسي رهان يتسابقان في ميدان ". ولست أدرى هل يحق لي أن أزعم أن أبا طاهر جلى في ميدان التأليف وأن أبا ساكن جلى في ميدان التدريس، وليس معنى هذا أن مجهود أبي طاهر في التديس كان ضئيلا، أو أن عمل أبي ساكن في التأليف كان قليلا ليس هذا ما أقصد، فإن أبا طاهر كما أسلفت في الحديث عنه لم ينقطع عن التدريس، ولم يتوقف عن الإرشاد العام، ولكنه مع ذلك قدم لنا ثروة فكرية قيمة، تشغل حيزاً هاماً من المكتبة الإسلامية العامرة وجهده في هذا الميدان أكثر أثراً من جهده في ميدان التعليم، أما أبو ساكن فقد ترك لنا عدداً من العلماء الأعلام الذين كافحوا الجهل والبدعة والانحراف والفساد، وألفوا مجموعة من الكتب القيمة، وقاموا برسالة التعليم المقدسة، التي تدعوا إليها جميع النبوات، وهو إلى هذا المجهود العظيم قد قدم إلى المكتبة الإسلامية آثاراً قيمة رائعة ولو لم يكن فيها غير كتابه القيم " الإيضاح " لكان ذلك كافيا. يقول أبو العباس عن هذا الكتاب: " وهذا التأليف ما أظن ألف في المذهب مثله، جمعاً وتعليلا، واختصاراً غير مخل، وتطويلا غير ممل ولا مكرر، وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا، خصوصاً نفوسة " هذا ما يقوله أبو العباس عن هذا الكتاب القيم، أما أنا: فإن الإيضاح أحب الكتب إلى نفسي، وآثرها عندى بعد كتاب الله وصحاج الحديث الشريف، وفي جميع مشاكلي العلمية التي تدخل في نطاق أبحاثه أرجع إليه قبل أي
كتاب، على كثرة ما ألف في المذهب من نفائس وأعلاق.
أخذ عنه العلم عدد غير قليل من العمالقة العظام، منهم
ولده موسى، وحفيده سليمان وأبو يعقوب يونس بن مصباح، والشيخ بن محمد بن الشيخ وأبو زكرياء يحيى بن زكرياء، وأيوب الجيطالي، وأبو القاسم البرادي، ونوح بن حازم المرساوني، وأبو عبدالله التفجاني، وأبو الضياء الطرميسي، وغير أولئك
نفسه
من الأعلام الذين لا يستقصيهم العد في مثل هذا المقام … أحس أبو عزيز صديق أبي ساكن في الدراسة بدنو الأجل. فبعث إلى صديقه يدعوه إليه وكان أبو ساكن قد قرر زيارة صديقه العزيز، فوافاه في آخر أيام الحياة الدنيا، وتحادث الصديقان العزيزان، وتواصيا بما يتواصى به المؤمنون المتقون، ثم افترقا في دنيا الفناء إلى لقاء في الآخرة سعيد، وقد أفضى أبو عزيز بما في إلى صديقه، ولما لحق بربه انتقل طلبته إلى أبي ساكن. ولحقوا بمدرسته العامرة. كان أبو ساكن مثلا يحتذي به في الجد والعمل والخلق الحميد. إنه من اولئك الدعاة الهداة الذين يقيم بهم الله الحجة على العباد في مختلف الأزمان والمؤرخون يروون أمثلة رائعة عن جده في التعليم، وحرصه على نشر الثقافة والوعي الإسلامي في الأمة، وقيامه بالعبادة الخالصة المتواصلة لربه، والتزامه للسير في الطريقة القويمة، وإحياء لسيرة الصالحين … وقد أطال الله في عمره الخير، حتى أعياه الهرم، ولكنه مع ذلك لم يكن ليترك ما أخذ به نفسه من إلقاء الدروس وإرشاد الناس، وملازمة المسجد، وقد ذكر أنه صلى بالناس في مصلى
347
346