الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٣٧الإباضية
البول دون
مسجده – وكان الوقت صيفاً - ولما أخذ في الدعاء نزل منه أن يشعر حتى ظهر من تحته، ووقره الناس فلم يخبروه، فلما فطن إليه ورآه بكى رحمه الله وقال: أطمع من الله أن يطهر فلم يلبث إلا قليلا حتى تكون سحاب، ونزل مطر
منه المصلـ غزير طهر المصلى.
" إن الله عباداً لو أقسموا عليه لأبرهم "
لقد كان الله رحمه مؤمنا من أصدق المؤمنين، ومكافحاً في الله من أشد المكافحين، وكان متخلقاً بخلق القرآن، حكيما، وقوراً، عفيفاً، لين العريكة، سهل الخلق، يحب الناس ويحبونه، ويألفهم ويألفونه إلا أن تنتهك حرمه من حرم الله، فإنه لا يقر له قرار حتى يقوم فيها بأمر الله.
أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى نشأ في مدينة " يفرن ": هذه المدينة العظيمة التي تتكون من مجموعة قرى لا تخلو إحداها من علم وفضل. ولعل من الخير أن أدع شاهد عيان يتحدث عنه، فقد جلس إليه العلامة أبو العباس الشماخي وسمع منه وناقشه فلندعه يتكلم. قال: " أخذ العلم من عمنا عبدالله الشماخي وغيره، وكان محققاً، وحيد العصر، فريد الدهر، إماما في العلوم، وكنت سمعت بتونس حاضرة أفريقية من البَيْدَمُورِي، وكان محققا في العلوم كلها على ما يدعى – وكنت أقرأ عليه، وقد سألني عن الشيخ أبي يوسف وعن حاله فقلت له: بخير. وكان يؤمئذ حيا فقال: ما في تونس أنحى منه، أي أعلم منه بالنحو: وكان بها أقرأ العلوم من
النحو والبيان والمنطق والأصول، وسمعت من فقهاء تونس أخبارا في علو درجته في العلم، وكان طلبته بها ومن أخذ منه يفتخر على غيره، وذكر أنه اختلف مع بعض الأشياخ بها في ـــألة في النحو، فأحضر في إثباتها ما يقرب على عشرين شاهداً من أشعار العرب، ثم انتقل إلى " أمسين " قرية من نفوسة وأقام بها إلى أن توفى في شوال عام أربعة وتسعين وثمانمائة. وقد جالسته مراراً وباحثته فما رأيت في جميع من لاقيت أكثر اسحضاراً من منه؛ لو جالسته يومك ماظفرت بكلمة لحن فيها في إعراب ولا تصريف ولا يسكت ولو هنيهة، فكل كلامه علم مع سرعة لسان، إن سألته عن مسألة لا ينفصل منها إلا أن تعارضه بسؤال آخر، أما النحو فعشه الذي يعرف كيف يدخل فيه. ويخرج، وأما اللغة والتصريف فيا للعجب، وأما التفسير فلو ادعى أحد أنه ما شذ عليه شيء من التفسير ما كذب، وعلم الحديث أظن أنه يحفظ ما رواه المخالفون والموافقون بضبطه وشكله ومعناه وعلم التاريخ وتسمية الرواة والعلماء فكأنه حضر معهم وصحبهم، وعلم الرقائق من الوعظ والتذكير فآية
وهو مفزع علمه، والفقه حضرت عنده مراراً يحكم بين الناس فتعجبت من تفصيله، فقلت: لا ينبغى أن يحكم بين الناس إلا
تحت
مثل هذا. واتيته يوماً زائراً وهو شيخ كبير، فألقيته يدرس. شجرة التين فتسمعت فإذا هو يقرأ مقدمة الخونجى في المنطق. وأما القرآن فأظنه يقرأ كتاب الله بالسبع. والبيان والأصول فهما
نصب عينيه.
وحضرت مجلسه يوماً وكنت قبل مستشكلا مسألة فلم
349
348