الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٣٨الإباضية
أجد من أزال إشكالها فوقعت في المجلس عارضة من غير أن أسال عنها، فباحثته فرأيت منه ما أبهرني وأودعت بعض البحث في إعرابي لمشكل كتاب الدعائم في أول قصيد الجنائز وغيرها، وذكر لي بعض طلبته أنه بقى في آخر عمره خمسة أعوام ما وضع جنبه على الأرض نائما، طوى الفراش وكان صائم الدهر، وكانت صدقاته سراً، وكان كثير الصلاة، وعادته يعظ الجالس إليه، أو يقرأ القرآن، أو يدرس ما حفظ من العلوم، أو ينظر في الكتب، وإذا أخذه النعاس تناوم قليلا كذلك.
قال لي: حفظت ابن حريق في اللغة في خمسين يوماً، وكان يدرسه ويدرس المقامات، وكان كثير الحفظ. قلت له يوماً: كدت أن تكون ترجمان القرآن، مارأيت احفظ منك … قال عمنا عبدالله بن
بن
عبد الواحد لا أصله في الحفظ. وزرته مريضاً ومعي الحاج عبدالله العماني السمائلي وعمنا يونس بن محمد، فتكلما معه في علم الطب فأفحمهما، وقال عمنا: يونس إذا شاب ابن آدم تشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل، فضم شين تشب أظن فأنكر عليه، وأخذ في تصريفها بلغاتها ومصادرها، فكأنه ينظر في إصلاح المنطق لابن السكيت أو فصيح ثعلب، وبالجملة من لم يره لم ير ما يتحدث به في أخبار العلماء، ومات ولم يترك تأليفاً مع أنه ذو قدوة على التأليف في أي علم أراد، خصوصاً التفسير والحديث ".
إنني اكتفى بماراه العلامة الشماخي ورواه عن هذا العملاق من عمالقة العلم والدين
أبو العباس الشماخي
يشرفني أن أقف هنا لأدع الحديث للأمام القدوة أبي اسحاق اطفيش - أطال الله عمره وأبقاه ذخراً للإسلام – قال أبو إسحاق: " وأما البدر الشماخي فهو الإمام المجتهد أبو العباس بدر الدين أحمد بن أبي عثمان بن سعيد بن عبدالواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمد بن عمر بن يحيى بن إبراهيم بن موسى بن عامر جد الإمام أبي ساكن عامر بن موسى بن علي بن عامر الشماخي فهو يجتمع بهذا الإمام في جده فيما يتبادر توفي: رحمه الله على ما ذكره العلامة أبو زكرياء الباروني سنة 928 هـ
وأبو العباس من أعلام العلم الذين نبه لهم شأن عظيم لجدهم واجتهادهم وبلغوا منزلة قصوى في العلم، كانوا بها منارا يهتدي به وعلماً يُعتصم به ويلجأ إليه. إذا ألف وصنف كان آية، وإذا ردت إليه مشكلة كان في حلها غاية، وإذا حضر مجلساً من مجالس العلم كان فيه النهاية له من التصانيف في عدة علوم كلها تعد من الأمهات، خصوصا مقدمته في أصول الفقه وشرحها، اختصر المقدمة من كتاب العدل والإنصاف لشمس الدين أبي يعقوب الوارجلاني، فكانت أجمل وأنقي متن في أصول الفقه، وأمتن عنه، وأجدى ماده لمن يريد حفظ قواعد الأصول، وأنى لأراها أحسن متونها شمولا وايجازاً. وشرحها وإن كان مختصراً جداً إلا أنه على جانب كبير من النفاسة والتحقيق ومن مراجع تراجم الرجال وتاريخ أهل الحق والاستقامة: كتاب السير له، يظن الذين لاحظ لهم من
351
350