الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٤٠الإباضية
وعده
ه العلامة أبو عبد الله محمد بن زكرياء الباروني في ا الثامنة عشر حسب ترتيبه: كل خمسين سنة طبقة.
الطبقة
وأما شيوخة فقد ذكر في تاريخه بعضا منهم: ذكر أنه أخذ العلم بتونس المؤنسة عن الشيخ البيدموري، وعن العلامة الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح بن زكرياء التندميرتي النفوسي، قال البدر: عنه أخذت بعض العلوم وكان عهد البدر مزدهراً بالعلم ازدهاراً من كل نواحي الثقافة الإسلامية والدين، ظهر فيه أعلام فخام، مثل أبي القاسم البرادي وأبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى آية من آيات الله في جميع العلوم الشرعية والعربية والفلسفية والتاريخ، وكان أعلم رجل بتونس في النحو بشهادة علمائها وكثير من تلاميذ الإمام أبي ساكن عامر الشماخي، فإنه نبغ منهم جمع كل منهم بلغ الذروة العليا: علما وعملا يشار إليه بالبنان فرحمهم ا الله ". انتهى إلى هنا ما قاله الإمام القدوة العلامة أبو اسحاق اطفيش وإذا قال أبو إسحاق فليس لقائل بعده أن يقول ولكنني مع ذلك استسمحه أن أزيد كلمة، وكل ما أريد أن أشير إليه بعد هذا الحديث الممتع الصادق، المحق الجامع أن أشير إلى أن العلامة البدر الشماخي يعد في نظري أحد الأعلام الذين قامت عليهم حركة التأليف منذ الاتجاه الجديد الذي اتجهه طلاب أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي.
وإذا كانت تلك الحركة المباركة أتت ثماراً طيبة، وتركت لنا تراثا مجيداً تفتخر به المكتبة الإسلامية فإن طريقة أبي العباس في
كتابه القديم "السير " طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ. فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة، ويتتبعون المظاهر الخادعة من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرخو للشعوب والأم، والواقع هو أنهم أرخوا لعد قليل من الناس، وثبوا إلى كراسي الحكم، وتصرفوا في عباد الله وأموال الأمة دون حق، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأم أبداً، فإن أخبار الجيوش والمعارك وتحركات الأجناد والقواد. أعمال الحكام الظالمين، ثم السيطرة على الناس والتحكم فيهم، وتحطيم المدن المعاقل، وما يتبع ذلك من مظاهر القوة والسلطان التي تستعمل في غير أمر الله ليست هي الصورة الصحيحة لتاريخ وحياة أية أمة
وقد أدرك العلامة أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم
ينجرف مع تيار السياسة إلا بمقدار، وإنما قدم لنا الصورة الحقيقية
لجانب
من
11
الأمة المسلمة، هذه الأمة التي تسكن ما بين " سرت " والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادة الحقيقية لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض. وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعملية الحرث، وفي الطفل اليتيم الذكي الذي يستوهب جحشاً صغيراً ثم يتحايل على صاحبه فيبيعه له، وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة، وفي
355
354