الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٥الإباضية
يسلب وينهب، يقتل ويفجر، فكان يدخل الأحياء ويأمر المحصنات الحرائر أن يفلين لحيته القذرة، وليس بعد هذا الفجور فجور، ولا بعد هذا الظلم ظلم ..
عند ذلك تداعى أصحاب الشهامة والكرامة الذين يؤمنون
بأن الله لا يرضى لهم السكوت على هذه المناكر، ولا يحل لهم البقاء على هذا الهوان، ينزل بأمة مسلمة، حفظ الإسلام أعراضها ودماءها وأموالها، فانتهكها من خانوا الله ورسوله في
أمانة الدولة والدين.
تداعى هؤلاء الأبطال، وأظهروا أنهم يريدون النظر في قضية امرأة أساء إليها زوجها، فعقدوا اجتماعا بحثوا فيه موقفهم، وموقف الأمة، وموقف هؤلاء البغاة الظالمين، ووجدوا أنهم يسعهم في دين الله أن يسكتوا على ما يقع بين أيديهم لا وأعينهم، وأنسوا في أنفسهم قوة يمكن أن تخف على المسلمين ما هم فيه من ذلة ومهانة، ولو إلى حين، فقدموا عليهم أبا حاتم الملزوزي وبايعوه على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسول الله السلف الصالحين، فقبل منهم واستعد للكفاح.
عس
وهدى
وما سمع الوالي العباسي بهذا الحادث حتى بعث بحملة كرية للقضاء على هذه الثورة، ولكن هذه الحملة لم تنجح، وقتل عدد غير قليل من جندها وتفقد أبو حاتم القتلى فوجد لوباً، فغضب، وقال إن لم تردوا أسلابهم تركت
بعضهـ
أمركم، فأرجعت الأسلاب، وأعلن الجيش توبتهم من عملهم ذلك، وسار السيرة العادلة المعروفة التي سارها المؤمنون الصادقون
من قبله في حروب أهل الإسلام الباغين، حفظ لكرامة المسلم دمه وماله وعرضه ولو ظلم أو بغى، ثم عدل بين الرعية
في، وإنصاف لأفراد الأمة، وإقامة لحدود الله، لا. جبروت ولا عدوان، ولا ظلم ولا أثرة ولا استغلال. الناس متساوون في الحقوق وفي الله.
الواجبات، وفي فرص الحياة، فمن اعتدى نفذ فيه حكم ا وذاق الناس لمدة قصيرة طعم الحكم الإسلامي، الحكم الذي أراده الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فاختلسه منها عبيد الشهوة وعبيد السلطة والمال.
تک
هدأت الأحوال في طرابلس، واستتب الأمن والسلام، وبدأ الناس يشعرون بالحياة الكريمة للأمة الكريمة، فاتجه أبو حاتم إلى القيروان ليخفف عن أهلها ما أصابهم من كرب، وما لحق بهم من أذى، ويرفع عنهم عبث أيدي ولاة الظالمين، لا يرقبون في الله إلا ولا ذمة، ففتحها بعد حصار طويل وكان الجهد والجوع قد بلغ مبلغاً عظيما من الجند المحصور بالقيروان، فلما تم النصر لأبي حاتم، وفتحت له أبواب المدينة، واستسلم الجند المحاربون، لم يفعل ما فعله محمد بن الأشعث، يوم انتصر على أبي الخطاب في ليبيا. إن أبا حاتم مؤمن يحس ما يعانيه هؤلاء المسلمون الذين يسوقهم الظلمة سوق الأغنام، ولذلك فلم يمعن فيهم تقتيلا ونهباً وسلباً وتعدياً على الأعراض، وإنما زودهم: بالماء والغذاء والسلاح الضروري، فأعطى لكل خمسة منهم قربة للماء وعصاً وخنجراً يصلحون به أمرهم، ويدفعون به ما يعترض طريقهم من وحش مفترس وهم يعودون إلى قراهم آمنين، كما أعطى لكل واحد منهم رغيفا من الخبز.
=
69
68