الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٦بين
ذلك
الإباضية
=
لك أن تقارن أيها القارئ الكريم بين الحالة الفظيعة التي يلاقيها الناس عندما ينتصر الظالمون، وكيف تذهب الأرواح والأموال والأعراض هدراً بعد أن ترفع الحرب أوزارها، لك أن تقارن وبين هذا السلوك الكريم الذي يعطف حتى على الباغي الظالم، فيقدم له ما تيسر من مساعدة. لك أن تقارن بين منتصر يقتل ويسلب، ويجز الرؤوس، ويعبث بالأعراض التي صانها الإسلام، ومنتصر آخر، يعطف على جيش العدو، فيزوده بالزاد والسلاح، ويتركه سالماً موفورا ليلحق بأهله. لقد ضرب أبو حاتم بهذه السيرة العطرة مثلا سامقاً للمؤمنين الذين يناط بهم حمل أمانة الحكم، وتجبرهم الحوادث إلى تربية البغاة، ولكن هل تجد مثل هذه السيرة أو قريبا منها عند أولئك الذين يحاربون باسم الخلافة في الزمن القديم، أو يحاربون باسم الدولة في العصر الحديث.
أنه ليس لأولئك ولا لهؤلاء من مزايا أمانة الحكم إلا حمل الأسماء والشعارات، يتاجرون بها عند الرؤساء، ويخدرون بها الشعوب، ويستغلونها لأنفسهم، وبسببهم وسبب ا أمثالهم من عبيد الشهوة، شهوة المال وشهوة السلطة. وشهوة الجنس، أصيب الإسلام أمس ويصاب اليوم بالنكبات المتلاحقات، أوقفت تقدمه، وغلبت عليه أعداءه الذين يتربصون به الغفلة
، ويتوقعون منه الغرة، وينتظرون منه العثرة. حتى واتتهم تلك المصائب جميعاً، ينزلها الجبابرة الذين يحملون اسم الإسلام على أمة الإسلام، والذين استخدموا شرف الخلافة في محاربة من أولاهم الخلافة. وأعطاهم الثقة، وأخذ منهم عهد الله
ولم يردعهم رادع من خُلق أو حياء أو دين. بل لقد ذهبت الخلافة
، وقامت في كل بقعة من بلاد الإسلام دولة تنعق بأنها جاءت لخدمة الأمة، ولم تجد منها الأمة حتى اليوم إلا خطبا تلقى
، واجتماعات تعقد، ومديحا تضفيه الإذاعات والصحف على أصحاب المناصب وسلوكا أبعد ما يكون عن مصلحة الأمة. وروح الإسلام، وسيرة السلف الصالحين، فلا عفة عن مال الأمة ولا وقوف عن إراقة دم برئ لا تحل إراقته إلا بحقه. ما ضر هؤلاء الذين يحملون اليوم أمانة الدولة، ويقدمون على حراسة مصالح الأمة، ما ضر هؤلاء أن يسيروا سيرة الصالحين من سلف هذه الأمة، وأن يعفوا عن أموال الأمة ودمائها كما عف عنها عمر بن عبد العزيز وأبو الخطاب وأبو حاتم وكما عف عنهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما أنهزم الثائرون بقيادة طلحة والزبير فلم يتبع مدبرا ولم يجهز على جريح، وإنما استغفر للجميع، وضمد الجراح وواسى القلوب: ما ضر هؤلاء الذين يتداولون كراسي الحكم ومرافق الدولة في مختلف بلاد الإسلام، أن ينزهوا ضمائرهم عن الانتقام. وجيوبهم عن المال الحرام. وأيديهم عن إراقة الدماء. كان أبو حاتم حقيقاً أن يسير بالأمة سيرة الخلفاء الراشدين
، والسلف الصالحين، لو أمهلته أيدي الظلمة المستبدين، أولئك الحكام الذين لا يرضيهم أن ينتشر الأمن والعدل والسلام في جهة من الجهات، لأن ظهور ذلك يظهر مساوئ الحكم عندهم، ويبعث دبيب اليقظة في نفوس رعاياهم؛ تلك الرعايا التي استنامت إلى الذلة والهوان بما لحقها من بطش وعدوان.
71
70
70