الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣٨

الإباضية

التاريخ لإيحاءات معينة، بعد ذلك قال:

" كان أبو حاتم من أئمة الإباضية المشهورين، وبمناسبة قتله نقل الأستاذ الشماخي في كتاب السير خرافة من صنع الذين يعملون لتفريق الكلمة ورفع أقدار بعض الناس على حساب الطعن في أقدار غيرهم.

قال الأستاذ الشماخي ما نصه: " إن مكان المعركة يستضيء نوراً كل ليلة، وقد أشتهر عندنا – من غير أراه – أن النور ينزل على قبره – يعنى قبر أبي حاتم - وقيل لم يزل ينزل حتى دفن إلى جنبه أعرابي فكف. ا. هـ ما نقله صاحب السير.

يسود

ومثل هذه الخرافة لا يصح من الأستاذ الشماخي أن بها صحائف كتابه، فإن أي إنسان لا يصدق أن النور الذي كان ينزل على قبر أبي حاتم انقطع لما دفن الأعرابي إلى جانبه، ولكن الذي اختلق هذه الخرافة يريد أن يرفع من شأن أبي حاتم بالطعن في العرب، وهو خطأ في التقدير يؤدى إلى الفتنة بين المواطنين. وإلى تأريث الكراهية بينهم. ولو اقتصرت الخرافة على مدح أبي حاتم لما عندنا شئ منها. ولما تعرضنا لها بنقد ". انتهى كلام الأستاذ الزاوي.

وعجبت وأنا أقرأ هذا التعليق عن المغالطة المفضوحة، وعن

تأويل كلام الناس بما لم يخطر لهم على بال.

لست أدرى - مهما فكرت - ما دخل العرب في القضية؟ لم يحشرهم ا الأستاذ الزاوي حتى في هذه الجزئية الصغيرة؟ إنها حادثة فردية تتعلق بشخصين، سواء كانت صادقة أو كاذبة، فما

من

الذي أدخل الجنس، جنس العرب أو البربر في الموضوع؟ إن الشماخي حين نقل القصة احترز، فأعلن أن القصة مشهورة، ولكنه لم يشاهدها بنفسه، وهذا تحقيق لا يكون إلا ثقة يتثبت فيما يقول، فقد جعل العهدة على راويها، ولما تحدث عن دفن الأعرابي، حكاه أيضاً بقيل، حتى لا يجرأ زاعم على تكذيبه، ورغم كل ذلك، فإن الأستاذ الزاوي ناقم على الشماخي، والشماخي يذكر أن النور أنقطع عندما دفن (أعرابي). ولكن الزاوي يجعل المسألة طعناً في العرب ورفعاً لأقدار بعض الناس بالحط في أقدار الآخرين، إلى ما هنالك من مزاعم لا تصدر إلا عن نفس مريضة، وحب متمكن لإيقاد الفتنة.

لقد كان جديرا بالأستاذ الزاوي، وهو يكتب التاريخ في هذا العصر، أن ينزه قلمه وضميره، كان جديرا به أن يتخذ من نزاهة الشماخي وصدقه أمثلة يحتذيها ويسير عليها.

إن الكرامة إذا وقعت لأبي حاتم، فلا يعنى ذلك، أن جنس أبي حاتم كلهم أصحاب كرامات، وأن المعصية إذا وقعت من أعرابي، فلا يعني ذلك، أن الأعراب كلهم أصحاب معصية، إن أبا حاتم شخص واحد، نسبت إليه كرامة، وإن الأعرابي الذي دفن إلى جانبه شخص واحد، قيل عنه إن النور انقطع لما دفن إلى جانب أبي حاتم، وما يدرى الأستاذ الزاوي، أن هذا الأعرابي، ممن يشمله قوله تعالى: " الأعراب أشد كفرا ونفاقا .. الخ، ثم لماذا يجعل الأستاذ الزاوي الأعراب عرباً؟ ويبنى على ذلك هذا التعليق الذي يحرص بما يملك من حيلة الأسلوب وخدعة التعبير، أن يجعل

75

74