الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٤٤الإباضية
وقد عمد أكثر الإباضية في ليبيا، بعد انقراض الدولة الرستمية، إلى سكنى جبل نفوسه وإن بقيت بقايا منهم منتشرين في كامل القطر. وكان أغلب هؤلاء المنتشرين يعيشون حياة سكان البادية الرحل، أو حياة شبيهة بتلك الحياة. وقد أستطاع عمال بني العباس بما أوتوا من مال وسلطان ومكر أن يشحنوا نفوس الناس بكراهة هؤلاء القوم، وأن يحكموا عليهم أحكاما غير صحيحة، من حيت الدين والمعتقد، وبذلك تسنى لهم أن تفترق الأمة فيما بينها لتستقر كراسيهم على هذه الدعامة، دعامة التفريق التى يحسنها الحكام الجبابرة في كل زمان ومكان.
التمسك
رجع الإباضية إلى أنفسهم، واستمرت حياتهم على طريقتهم المعروفة: عمل دائم لله، ومحاسبة للنفس، ومجاهدة للشيطان والهوى، وإحياء للسيرة المرضية، لا يأبهون للدنيا ولا يقيمون لها أي وزن إنها لا تساوى عند الله جناح بعوضة. فكانت مساجدهم عامرة، وأعمالهم في البر متواصلة، ودعوتهم إلى بدين الله وسيرة السلف الصالحين مستمرة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا يتوقف، واستقامتهم في الأعمال مضرب الأمثال ونشرهم للعلم كما لم ينشر في أي مكان. وكان الأئمة في تاهرت يبعثون إليهم، فيخبرونهم في الولاة فكانوا - يجتمعون ويتشاورون ثم يبعثون باسم من يقع عليه اختيارهم إلى الأمام، فترد اليهم الموافقة عليه. فلما انقرضت الدولة الرستمية صاروا يجتمعون فيختارون من بينهم من
يثقون في دينه وخلقه وعلمه فيسندون اليه أمورهم، ويولونه شؤونهم، وقد استمروا على هذه الحال حتى مجئ الأتراك وامتداد الخلافة الإسلامية في ليبيا.
85
84