الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٤٥

السمح بن أبي الخطاب

بقي الإباضية في ليبيا بعد قتل أبي حاتم شبه مستقلين عن جميع الحكومات فعمال الدولة العباسية لا يجرأون على مطالبتهم بشيء، وعبد الرحمن بن رستم لم يطلب منهم الطاعة، رغم الولاء المتبادل، واعترافهم بإمامته فلما تولي الإمامة عبدالوهاب بن عبد الرحمن واستقرت الأمور، واطمأن إلى ارتياح السكان، وانتشار السلام، وخمود الحروب والثورات، فكر في تفقد أحوال الإخوان في كل من الأراضي التونسية والأراضي الليبية، وقرر أن يقوم بذلك وهو في طريقه إلى الحج.

وكان الناس يقبلون عليه ويقدمون له البيعة فيولي عليهم ولاة يوصيهم أن يسيروا سيرة السلف الصالحين، ولما وصل إلى الأرضي الليبية ودخل جبل نفوسه أجتمع إليه العلماء الأعلام. ودرسوا معه موقف الدولة، وما ينبغى للإمام فعله، وصارحوه بأنهم لا يوافقونه على قيامه بالحج، فإن أعداء الإمامة الذين يتحينون الفرص للإنقضاض عليه، لا يقفون مكتوفي الأيدي. وقد دخل ممالكهم وحيداً فريداً بدون جند أو أعوان، واقتنع الإمام برأي هؤلاء العلماء الناصحين.

ولكنه أراد أن يطمئن، فبعث برسالة إلى علماء المشرق

يستفتيهم في أمره، ويستوضحهم مشكلته في حق ربه،

ووصل الرسول إلى أئمة الإباضية في العراق ورجع بالرد.

أما الإمام المحدث الربيع بن حبيب فقد أجاز له أن ينيب عنه أحدا يقوم عنه بالحج مادام مشغولا بأمر المسلمين. أما العلامة ابن عباد فأفتى له بسقوط الحج لعدم أمن الطريق بالنسبة إليه، وأمان الطريق شرط أساسي في وجوب الحج، وطلب للإمام العظيم أن يقيم في جبل نفوسه وأن يتخذ قرية " ميرى " مقراً له. هذه القرية الصغيرة التى أصبحت اليوم خراباً، وكانت في ذلك الحين مركزاً من مراكز العلم والدين والخلق العظيم. وبني هنالك مسجده الفسيح الذي لا يزال منصبا إلى اليوم في ربوة شامخة يطاول الزمن، ويستعرض التاريخ، ويحتفظ باسم الإمام العظيم، والذي لا يزال أبناء القبائل المجاورة من الرجبان يلوذون بعدله فيضعون في حرمه نتائج زراعاتهم فلا يتعدى عليها ولا تنالها اللصوص.

تتعاقب

طابت للإمام الإقامة في هذا الجبل، وانصرمت سبع سنوات كأنها ليلة واحدة وكان يعيش كما يعيش المسلمون، وكان من أهم ما يشغله التدريس، فكان مسجده. هذا من أعظم المدارس التي نشرت العلم وهدت الناس لقد كانت حلق الطلاب عليه أكثر النهار وزلفا من الليل، وكانت دروس الوعظ والإرشاد وشرح أسرار الإسلام للناس من أهم ما يتناوله الإمام العظيم. على أن أعظم موضوع أخذ الوقت منه وحرص أن يتفهم الناس أسراره ومعانيه هو موضوع الصلاة، هذا الركن الذي يجعل المسلم يناجي ربه عددا من المرات في اليوم، ويستلهم منه الرشاد والهداية والتوفيق والذي لا يزال يتقرب بفرائضه ونوافله

87

86

38