الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٤٦الإباضية
إلى الله، حتى يحبه.
ولكثرة ما أنشغل الإمام بتدريس موضوع الصلاة على الناس. بالغ بعض المؤرخين فحسب أن الموضوع الوحيد الذي انشغل الإمام بتدريسه سبع سنوات في جبل نفوسه – هذا الجبل التي كان حينئذ يموج بالعلماء الأعلام - هو موضوع الصلاة فقط، والحقيقة أن الإمام العظيم كان يتناول جميع فروع العلم، ولكنه حبب إليه موضوع الصلاة، فكان لا يناجي يوم إلا
ويتحدث عنه.
وعندما فكر في مغادرة ليبيا والرجوع إلى مركز الخلافة، اجتمع إليه الناس وطلبوا منه أن يولي عليهم عاملا يفصل مشاكلهم، ويجمع منهم الحقوق ويوزعها على مستحقيها ويتولي قيادة الدفاع إذا هاجمهم عدو فخيرهم الإمام فاختاروا السمح بن أبي الخطاب المعافري: وكان السمح في مقام الوزير للإمام، يلازمه دائما، فيعرض عليه المشاكل، ويستشيره في النوزال، ويكل إليه الفصل والتدبير في كثير من الأمور، ولا يكاد تغنى عنه في شأن من الشؤون، فعز عليه أن يفارقه، إنه من أعز أصدقائه إليه، وهو أخلص مستشاريه وأحب أصحاب الرأي والعلم إليه. فحاول أن يرضيهم بغيره، ولكنهم أصروا على موقفهم وألحوا عليه فيه، فاضطر أن يستجيب لهم، وأن يؤثرهم به وأن يقلده ولاية ليبيا - ماعدا شريطا رفيعا من الساحل كان تابعا للأغالبة – معتمدا في ذلك على دينه وأمانته، وعلى دينهم وأمانتهم، وشمر الوالي القوي عن ساعد الجد، واستعد لتحمل الأمانة في هذه الولاية الشاسعة، التي تشتمل عليمعظم
المملكة الليبية وبعض المملكة التونسية، لا يخرج منها إلا شريط ساحلي ضيق بقي للأغالبة بعد المعاهدة التي عقدت بينهم وبين الإمام عبدالوهاب سنة 196. وتولي السمح تنظيم الولاية وترتيب القضاة، وأمراء الجند وجباة الزكاة فساد الأمن، وانتشر السلام، ووجد الناس الحياة التي ينشدونها في ظل الإسلام. حرية في العمل والكسب، وكفاح لله، وعدل يشمل الغنى والفقير، والقوي والضعيف، وسيرة كسيرة عمال الخلفاء الراشدين قوة في غير عنف، ولين في غير ضعف، وإيصال للحقوق إلى أصحابها من أكرم السبل وأقربها. فأحست البلاد الراحة والطمأنينة، وذاقت لذة العيش الهنيء، الذي لا يكدره الاستبداد ولا يشوبه الظلم، وماذا ينتظر من وال أخذ الدروس الأولى من أبي الخطاب عبد الأعلى؟ وأخذ الدروس الأخيرة عن الإمام عبد الرحمن بن رستم؟ وصحب الإمام عبد الوهاب؟ إنه أقتبس الهدى والدين والخلق من ثلاثة أعلام كان كل واحد مهم حجة من حجج | الله في الأرض. عندما مرض السمح مرض الوفاة اجتمع إليه الناس، وطلبوا منه أن يوصيهم 8 فأوصاهم بتقوى الله واتباع الشرع الشريف. ونصرة الأئمة ما ساروا على الحق واستقاموا على الطريق، وهي وصية وإن كانت مختصرة في ألفاظها، ولكن لا مزيد عليها لمستزيد، إن تقوى الله في السر والعلانية واتباع الشرع الشريف هو كل ما يطلب من مؤمن يطلب السعادة لنفسه في الدنيا والآخرة، أما قضية الأمة فقد لفت إليها هذه اللفتة الكريمة هي القاعدة التي تبني عليها سياسة الأمة، والتي جرى
89
88