الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٤٨

من

الإباضية

أجله، ويحاول أن يجعله مبدأ للناس جميعا يعتقدونه حقا ويعتنقونه مبدأ، ولايصل الإنسان إلى هذه الميزة إلا إذا كان عمل الخير خلقا يتحلى به، ويحمل من تحت رعايته على اتباعه ويدافع، في جميع الأحوال.

عنه

وإذا كان أيوب بن العباس من ذوى العقائد الثابتة، والايمان الراسخ والخلق المتين والعلم الغزير، إذا كان هذا الرجل يتحلى بجميع هذه الفضائل، وبما هو أكثر من هذه الفضائل، فإن له ميزة أخرى يمتاز بها عن الناس، وينفرد بها دونهم. هذه الصفة: هي الشجاعة التي لا تعرف التردد أو الهزيمة أو الخور، إنها قوة القلب الكبير في قوة البدن السليم الذي وهبه الله الصحة والعافية والسلامة، وهو بهذه النعمة التي خصه الله بها يثق في ربه ثقة لا تحسب للخذلان حساباً ويثق في قوته ثقة لا تخشى الضعف أو الخور ويثق في مهارته وذكائه وعبقريته الحربية ثقة لا تخشى مراوغة أو مكيدة أو حيلة، وهذه الثقة بنفسه، جعلت الأمة تثق فيه، وتعتمد عليه عندما يحزبها أمر أو يشتد عليها كرب ولعل في القصص الآتية برهانا على هذه الصفات الممتازة التي لا يتحلى بها إلا أفراد في تاريخ البشرية الطويل. يقول عن نفسه: " لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني " فهل يكون هذا القول من هذا البطل غروراً سولت له به نفسه، ووسوس به إليه الشيطان؟ هل يكون هذا الإدعاء باطلا عندما يجبهه بالحقائق ويصطدم بالأبطال؟ إنه يتحدى نصف قارة كاملا، يزعم أنه لايجد فيه من يقف له يرد له الضربات ويكيل له اللطمات. ويغدق له كؤوس الشراب من حياض المنون المترعة.

علينا

إننا ولا شك سنتردد في تصديق هذا القول حين يعرض. في هذا الدعوى الفضفاضة الواسعة حتى نعرضه على التاريخ وللتاريخ حق الحكم على صحة هذا الإدعاء أو بطلانه، فهل تكفى شهادة التاريخ؟

ثلاثمائة

كان عبد الوهاب بن عبدالرحمن بن رستم أميرا للمؤمنين. وخليفة للمسلمين على أغلب شمال أفريقيا من مراكش إلى سرت ما عدا شريطاً ساحلياً ضيقاً ينقطع في بعض الجهات. وثار على الإمام جماعة من المعتزلة في الجزائر، لهم علم ولهم قوة ولهم بطولة. وتضايق الإمام من هذه الثورة التي كانت تهدد أمن الدولة والبلاد فاستنجد بجبل نفوسه، وطلب منه أن يمده بمائة من خيرة الفرسان الشجعان على أن يكون معهم: من الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام، وتشاور الناس في هذا الطلب، وبحثوا أمر الإمداد وقرروا بالإجماع أنه واجب عليهم. ولكنهم فكروا في هذا الجيش الذي سيكلفهم ويكلف الإمام مؤونة وتعباً، واقترح مقترح أن يختاروا أربعة أشخاص يقوم كل واحد منهم مقام المئة، ووجد الاقتراح قبولا، فصادق عليه الجميع ثم بدأت عملية الاختيار: إن الإمام يريد مائة فارس من الفرسان المغاوير، وهم يريدون أن يرسلوا إليه فارساً واحداً يقوم مقامهم ويغنى غناءهم، ومن لهذا الموقف غير هذا البطل الذي يتحدى نصف القارة كاملا في اعتداد وشجاعة، إنه الرجل المطلوب أو هو رجل الساعة كما تجرى تعابير السياسيين.

وعرض عليه القوم الطلب والاختيار، فهل فكر وتردد؟

93

22

92