الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٦الإباضية
وشوراها، فلا تصدر إلا عن رأيها، ولا تمتاز بشيء عن أي فرد منها، وفي الفتوح الإسلامية زمن الخلافة الرشيدة أمثلة واضحة لذلك. إن تاريخ الدولة في ذلك الحين هو نفسه تاريخ الأمة، وذلك لأن ما يصدر عن الدولة هو. ما يصدر عن الأمة راضية به راغبة
إن الأمة جمعاء كانت تقوم بالغزوات الفاتحة مندفعة إليها. متسابقة إلى القيام بها، دون وعود بالمرتبات أو حصر بالدواوين
، أو إكراه بالتجنيد الإجباري، وإنما كانت انتفاضات منبعثة عن عقيدة من أمة كاملة، ليس للأداة الحاكمة منها إلا تنسيق العمل وتنظيم الصفوف. ولذلك كانت هذه الحركات تاريخ أمة لا تاريخ دولة، وأن الدولة كانت داخلة في الأمة، معبرة عنها تعبيراً صحيحا صادقا لأن جميع ما تقوم به من نشاط داخلي أو خارجي
كان يصدر عن حقيقتين ثابتتين: حكم الدين، ورأي الأمة أما الحالة الثالثة التي تكون فيها تاريخ الدولة جانبا من تاريخ الأمة، فأعنى به عندما تقوم دولة في قسم من أقسام الوطن. وتحرص هذه الدولة أن تصدر في أعمالها عن حكم الدين ورأى الأمة، وفي التاريخ الإسلامي أمثلة. ذلك
من
ولم أحسب هذا التاريخ تاريخ الأمة، لأن الأمة، اكبر من ذلك وأوسع، فعمل هذه الدولة الصغيرة تعبير عن قسم من
الأمة
وهو وإن كان تعبيراً صحيحا صادقا إلا أنه ينقصه الإجماع أو الأغلبية المطلقة.
الوطن الإسلامي
إنني أعتبر الأرض الإسلامية وطنا واحدا بحدوده الشاسعة، وعندما أضطر إلى تتبع التقسيمات السياسية الموجودة الآن، أحس بالمرارة والألم، ولقد كان تاريخ الأمة الإسلامية في عصوره المختلفة، مرتبط الحوادث. .. متحد المشاعر، متوافق العواطف، مشتبك المصالح، متصل الأجزاء. ورغم ما اصطنعته السياسة من حدود، فأنت حين تسافر من الشرق الأقصى إلى المغرب الأقصى تمر بعدد من الدول وتتخطى مجموعة من الحدود، وتختلف عليك أشكال من الحكم، وقد تحس بما يعتمل في نفسية هذه الدول من عداوة وبغضاء، وحروب حارة أو باردة، ولكنك في كل ذلك تشعر أنك تعيش في أمة واحدة ربطت بينها العقيدة التي وجهت قلوب أفرادها جميعاً إلى الإيمان بالله. ومحبة الأخوان في الدين، وتجد التاريخ الحقيقي لهذه الأمة التي ط على أكثر قارات العالم، في وحدة تنبس الشـ عور والعاطفة والعقيدة والأمل، وفي طريقة التفكير والكفاح والعمل. وفي الاتجاه الذي يتجه إليه الأفراد والجماعات، وفي عدم اعتراف هذه الأمة بالحدود التي تفصلها عن بعضها، فتخترقها رغم حرس
الحدود، والعقوبات المترتبة على ذلك.
11
10