الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥٤

الإباضية

يتملص منها، إنك تستطيع أن تتملص من جميع الناس بالحق أو بالباطل، ولكنك لا تسـ تطيع أن تهرب من ضميرك، ولذلك فقد

قالت له: " إن تقدمت فأنت في النار وإن تأخرت فأنت في النار

" وأوضحت له مقد صدها فقالت: إن تقدمت وأنت تعرف أن في المسلمين من هو أكفأ منك، فأنت في النار، وإن تأخرت وأنت تعلم أنك أكفأ المسلمين، فأنت في النار. وصمت الرجل العظيم وفكر طويلا واستعرض الأشخاص حتى إذا اقتنع بالنتيجة رفع إليها رأسه، وهو يقول في صدق وصراحة، وأسف: أما في الرجال أنه لا يعرف أن في الرجال من هو أكفاً منه للقيام بأمر المسلمين. وودع العجوز واستمد للقيام بالأمر، ورجع إلى

فلا يعني

المسلمين الذين ينتظرونه فأخبرهم باقتناعه وقبوله 13.

وسر القوم واستبشروا، ولكنهم كانوا يعرفون أن الفضل في حل هذه المشكلة يرجع إلى الجدة " مارن " ولذلك قال قائلهم. هلم بنا نزر " وقاية" هي خير من عمائمنا، والوقاية ما تضعه المرأة على رأسها ليقى ثيابها ما تدهنه به من زيت وغيره، وزار المشائخ الجدة وشكروها على ما قدمته لأمتها ودينها دون أن تقف خطيبة تتلوى على المنصة وهى تستعرض مفاتن جسمها أكثر مما تستعرض مواهب عقلها، وتستدر الإعجاب بجمالها أكثر مما تستدر الإعجاب بفكرها ورأيها

لماذا ياترى يصر الإمام ويصر المسلمون على تولية رجل يشكو الضعف، ويتباعد عن تحمل المسؤولية، وقد كانت البلاد مملوءة

بالرجال الأكفاء.

إن الإمام ذكر حادثة من حوادث التاريخ التي تمر بالإنسان فتترك أثرها الذي لا ينسى ولا يمحى. إن مواقف البطولة والشجاعة والاستمساك بالحق هي المعايير التي تقاس بها الرجولة عندما تناط الأعمال.

زار الإمام عبدالوهاب طرف المملكة في الشرق هذه القطعة التي نسميها اليوم ليبيا، واتخذ مقره في قلب جبل نفوسه في قرية " ميرى " من بلد الرجبان اليوم هذه القرية التي اندثرت ولم يبق منها إلا المسجد العظيم الذي بناه الناس للإمام عبدالوهاب، يلقي فيه المحاضرات العلمية. ويتولي فيه التدريس والصلاة والفصل في مشاكل الناس، ذلك أن الأئمة العدول لم يكونوا يترفعون عن العامة ولا يبتعدون عنهم، ولا يتخذون مجالس خاصة بهم لا يصلها إلا المقربون بعد استئذان، إنهم كانوا يقومون بأعباء الدولة بين جموع ا الأمة وفي المساجد التي هي بيوت الله يؤمها جميع المسلمين، وبقي الإمام الكبير وطاب

له البقاء. فانصرمت من الزمن سبع سنين، وكان بعض مرافقي الإمام خافوا على أنفسهم العنت فتزوجوا عدداً من إماء بني زمور، وولد الأمة هو ملك لسيدها لا لزوجها كما ينص الشرع الكريم، وعندما ركب الإمام للرحيل وركب رفاقه معه، أخذ كل واحد منهم ولده من الأمة التي تزوجها. وشغل الإمام بالوداع، فغفل عن هذا الموضوع واستحي الناس، استحى العلماء والقضاة والعمال أن يتكلموا، وأن يؤلموا خواطر هؤلاء الضيوف الذين رافقوا الإمام في آخر لحظة، لحظة الوداع، ولكن أبا عبيدة لا يخاف شيئاً في الحق، ولا يجامل عليه أحد، ولا يساير حتى

105

104