الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥٥

الإباضية

الإمام نفسه. ولذلك فما سمع بالحادث حتى جاء والناس في موقع الوداع فلم يسـ ستأذن الإمام ولم يهمس في أذن العامل أو القاضي بكلمة لطيفة أو توسل ذليل، ولكنه صرخ بما يملك من قوة الصوت: " خذوا عبيدكم يابني زمور" إنه حكم الله. ولن

يسكت عن مخالفة حكم الله ولو غصب البشر جميعاً.

وكان هذا الموقف الصلب الصريح القوي، الذي لا يحايي ولا يلين، هو الميزان الذي رجح به أبو عبيدة على غيره من الأقران في نظر الإمام. لقد أقر الإمام أمر أبي عبيدة وأعجب به، ولما جاء مجال الاختيار بين من تسند إليه مهام أمور المسلمين ذكر الإمام صلابة الرجل في الحق، وقوة إيمانه وعلمه وحصانة خلقه، فأصر على توليته، وتولي أبو عبيدة.

يري

لقد كان أبو عبيدة من أولئك المؤمنين القلائل الذين يفرقون بين المواقف ويعرفون متى تكون الشدة ومتى يكون اللين، إنه يترسم خطا الفاروق رضى الله عنه، لا تأخذه في الله لومة لأئم. ولكنه إلى كل ذلك لا نفسه إلا رجلا ضعيفا قد ألقيت عليه تكاليف ينوء بها القوي الأمين وهو إذا خرج منها سالما فقد نجا. ولذلك فقد كان شديد الاحتياط، ولكنه عندما يستبين له الطريق لا يتردد ولا يقف ولا يحيد.، وعندما تولي شؤون الجبل، كان هناك " خَلَف 14 " رجل ممن غرته الحياة، واستعبدته الشهوة، وأذلت نفسه المطامع فاستهان بحرمة المال والدم. وطلب لنفسه الخلافة ليقيم ملكا كالذي أقامه طلاب الدنيا في كثير من نواحى العالم الإسلامي، وكان " خلف " يستعلى

ويتقوى في النصف الشرقي من الجبل الأشم، فلم يهتم له أبو عبيدة ولم يبال به، لأنه لم يكن من طلاب التوسع أو الراغبين

في تمديد الحكم على أوسع رقعة، وإنما شمر للقيام بما أنيط به. والعمل على توفير أسباب الراحة والاطمئنان، فأعطى الحق. ونشر العدل، وبسط الأمن، كما فعل سلفه أيوب بن العباس، وسكت "خلف " في بادئ الأمر كأنه يزن هذا الرجل الجديد، فلما

رآه لا يلتفت إليه ولا يتحكك به ظن فيه الضعف. فبدأ يناوشه ويغير على بعض القرى المتطرفة، ويتعدى الحدود بينهم، فطلب إليه العامل العالم الشجاع أن يترك هذا الاستفزاز، وأن يكف الله هذه الأعمال التى لا يقوم بها مسلم يرعى عن في دينه وفي عمله. ولكن " خلف " اعتز بالإثم، وواصل العدوان. بعث خلف بعثة عسـ كرية من الفرسان فأغارت على حدود حوزة أبي عبيدة، وقتلت ونهبت في قرية (أدرف) التي لا تبعد عن (جادو) بما يزيد عن 6 كيلو مترات، ووصل الخبر إلى أبي عبيدة، وتحقق من وقوع الغارة، وعلم أن ما لايقل عن عشرة من المسلمين المسالمين أريقت دماؤهم ظلماً وعدواناً، وأنه قد استحلت أموال. وانتهكت أعراض، فقال لأصحابه لا يحل لنا السكوت بعد هذا العدوان، وخرج لتأديب هذه البعثة، فلقيت منه الصفعة المؤلمة التي يوجهها الأب أو المربي إلى خد الإبن العاق، أو التلميذ

الشرير.

ولما تولت هذه البعثة منهزمة فارة أصدر أمره إلى جنده أن لايتبعوا مدبراً، ولا يجهزوا على جريح. وأن لا يستحلوا مالا، أو يغنموا شيئا، إنه ذلك الموقف الذي عرفته من الخلفاء الراشدين

107

106