الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥٦

الإباضية

وعرفته في سيرة الحارث، وأبي الخطاب، وأبي حاتم، إنه نفس الموقف لا يتغير إلا في الزمان والمكان: سيرة عطرة، ووقوف عند حدود الإسلام، وتخلق بخلق الإنسانية الرفيع.

تستدعى

ورجع بعد أن ضرب هذا المثل الرائع، وبرهن أنه قوي حين الظروف القوة، وعنيف إذا تطلب الموقف العنف وشديد إذا كانت مصلحة الأمة تتوقف على الشدة، ولكن هذه القوة وهذا العنف وهذه الشدة لا تبلغ. الطغيان، ولا تتجاوز الحدود التي رسمها الإسلام لرد العدوان. ولما رجع العامل القوي إلى مركزه، بعث رسالة إلى خلف يقول فيها وهو يرجو أن يحقن بذلك دماء المسلمين: " وإذا نزعت يا خلف يدك عن الطاعة فكن في حيزك وأكون في حيزى وما بال الحرب ".

ووصلت الرسالة إلى " خلف "، فماذا فهم؟ إن الشيطان إذا نفخ بالغرور في قلب إنسان لا يترك فيه مجالا للإستبصار والرشاد .. إن " خلقاً " لم يفهم إلا أن أبا عبيدة قد كان له صفعة مؤلمة يجب أن يردها له بأعنف منها، وأن أبا عبيدة هذا ما بعث بهذه الرسالة اللينة الوادعة، القائمة، وما رضى بإقامة الحدود بينهما إلا لأنه شعر بالخوف وأحس في نفسه ورجاله الضعف، وإذا كان كذلك فلماذا لا يهجم عليه هجمة يستولي بها على الحوزة التى يتولي أمرها هذا الرجل الخائف الذي يقنع بإقامة

الحدود.

إن تفكير" خلف " لا يسمو به إلى تفكير " أبي عبيدة " ولذلك

فهو لا يفسر الإلحاح في طلب السلام إلا بالضعف والخوف، لأنه لا

يقيم لأموال المسلمين ودمائهم وزنا فهو من أولئك الرجال الذين يعيشون تحت ضغط الشعور بالحقارة، فهو يبذل كل مجهود

ليكون لنفسه سلطة، وليظهر بين الناس بمظهر العظمة. وأعد خلف عدته، وكون جيشاً لجبا، وهجم عليأبي عبيدة في حين غفلة، ولما بلغ الخبر أبا عبيدة كان الجيش المعتدي قريبا من مركز أبي عبيدة، فلاقاه بمن حضر من الرجال الأبطال، ولما تراءى الجمعان كان جيش أبي عبيدة لا يتجاوز ألفا، وكان جيش خلف

لا يقل عن أربعين ألفا، وبدأت حرب الأعصاب، ولعب الغرور بقلب الفتي، فزين له الشيطان سوء علمه، فأطلق جمعا من جيشه اللجب في القرى المجاورة الوادعة، وفي الناس الآمنين المسالمين. يعتدى وينهب ويسلب ويقتل، ثم بعث إلى أبي عبيدة يطلب منه الانسلاخ من بيعة الإمام الرسمي، وبيعة خلف. انقلاب في التفكير، وقلب للأوضاع، ونظرة حولاء لا تستبين الحق ولا تهتدي إلى سبيل الرشاد: وحاول العامل الحكيم أن يقنع الوفد الذي يطالب بالبيعة لهذا الباغي الذي لا يفرق بين الحلال والحرام من شرع الله، ولا يلتزم الحدود التي حدها الإسلام، فلما ألزمهم الحجة، رجعوا إلى قائدهم يحملون إليه خبر الفشل وتصميم الرجل على الدفاع. لك أبو عبيدة كل طريق لحقن الدماء وإراحة المسلمين من مصائب الحرب ودمارها ولكنه لم يجد إلى ذلك سبيلا. وفسر عدوه هذا الموقف النبيل وهذا التحريج، بالخوف والخشية، بل لقد سولت لتخلف نفسه ه أن يبعث لأبي عبيدة من يقول له: " دع

109

108