الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥٧

الإباضية

عنك القتال، فإنك لا طاقة لك اليوم بمقابلة خلف.

وعساكره

ولا حاجة لك في لقائه." 15. وغضب الرجل الشجاع! هل بلغ الموقف بالطامعين إلى هذا الحد؟ هل ظن المغرور أن أبا عبيدة لم يتخذ هذا الموقف إلا خوفا منه وطلبا للسلامة، وتحاميا للسيوف القواطع، وهنا برزت تلك القوة التي يغطيها الرجل العظيم باللين؛ تلك القوة التي يودعها ا الله في قلب من يشاء من المؤمنين الأوفياء ..

إنه الغضب لله، الغضب الذي لا يبرد إلا بإحقاق الحق، فأقسم بكل لغة يحسنها لهذا المغرور قائلا: " لأقاتلن خلفاً، ولو ألقاه منفرداً بسيفى هذا " وضرب بسيفه على فخذه، ثم طلب ماء فاغتسل وتوضأ وصلى ركعتين لله، وتوجه إليه بقلب المؤمن الذي لا يلجأ إلا إلى الله فيما دق وعظم من أمره، وقال في دعائه: " اللهم يا من لم أعرض عنه منذ استقبلت أمره، لا تفرق هذه العصابة على يدي، إنك على كل شيء قدير 16". ذلك تهيأ وبعد لرد العدوان وبدأت الحرب، ولكنها لم تسـ طويلا، فلقد انهزم ــتمر الجيش اللجب القوي الذي يتكون من أربعين ألفا وانتصر الجيش الصغير الذي لم يبلغ ألفاً من الأبطال.

وعندما ولى المنهزمين الأدبار صاح أبو عبيدة بصوته القوي الأمر الذي يعرفه المؤمنون إذا حاربهم البغاة من الموحدين، صاح في أصحابه: لا تتبعوا مديرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتعرضوا المسالم، ولا تستحلوا مالا فاستمع الجند لكلمة القائد المظفر، ووقفوا عند حدود النصر، فلم يبغوا، ولم يطاردوا هذه الفلول المعتدية ليثخنوا فيها الجراح، ويكثروا فيها القتل، ولم يذهبوا

إلى أرضهم ليحتلوها ويطردوا منها خلقا فتذوب أحلامه، ولم يقطعوا الرؤوس ليرسلوا بها إلى تاهرت عاصمة الإمامة، فيكون هذا الرأس وسيلة أخرى يرتفع بها شأن أبي عبيدة عند الإمام. إنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، لأن الإسلام لا يبيح شيئاً من ذلك، وهم إن لم يقفوا عند حدود الإسلام في هذا الموضع فاحرى بهم أن لا يقفوا عند حدود في غير هذه المواضع. وانكمش خلف وتفرق عنه الأتباع، وتبخر الحلم الذي كان يملأ رأسه، ولكن أبا عبيدة لم يستغل هذه الظروف ليثب على تلك الحوزة فيدخلها تحت الطاعة، لأن الحكم عند ابي عبيدة وأضرابه لم يكن القصد منه جمع الضرائب واستغلال السلطة، وتكديس الثروة لترفيه صاحب السلطان على حساب الشعب، بسبب ما خول له من وظيفة، وأسند له من عمل ومنح له من ثقة. ولكن الحكم في نظر أبي عبيدة مسـ ؤولية تلقى على العاتق يتجرد فيها المسلم المؤمن من أعماله الخاصة، ليتولي شؤون الأمة العامة. فيتولي قويهم بالتربية والتهذيب، ويتولي ضعيفهم بالعناية والرأفة والرحمة، ويوصل الحقوق إلى أصحابها من أقرب السبل في أقرب الأوقات. ويعدل في الأحكام، ويوفر الأمن والطمأنينة والسلام، وليس له مقابل ذلك غير ما يقيم أوده من طعام بسيط، ويستر ظهره من لباس بسيط، لا ترف فيه ولا إسراف وليس له ذلك حق التصرف فيما يجمعه من مال ليضمن به ومستقبل أبنائه، كما يفعل الناس في هذا العصر،

مستقبله

لأن كل الخيرات التى تستخرج في زمن ما هي إلا حق لأبناء ذلك الزمن، لا تدخر لغيرهم، ولا تمنح لسواهم، أما المستقبل فبيد

111

110