الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٥٨الإباضية
الله، ولا يفكر فيه الإنسان لأن تفكير الإنسان لا يمتد إلى ما بعد الحاضر، أو المستقبل القريب، وعلى هذا التفكير كان يعيش أولئك المسلمون، الذين حملوا رسالة الله، فقد مات محمد صلى الله عليه وسلم ولم يترك لبناته وأقاربه ما يمكن أن يورث، وعاش أبو بكر رضي الله عنه على القوت الضروري، واللباس الضروري، وخدم عمر الأمة الإسلامية خدمة بلغت النهاية في الإخلاص والتضحية، وفتح لها وبها مشارق الأرض ومغاربها، وكانت زوجته الحبيبة طوال خلافته تتمنى قطعة من الحلوى! الحلوى الرخيصة التي توجد في بيوت المتوسطين والفقراء، فلم تظفر زوجة أمير المؤمنين الغالية بهذه الأمنية الرخيصة، وعندما اقتطعت ثمن هذه الحلوى من القوت الضروري الذي كان يتناوله عمر وآل بيته. رأي عمر أن ذلك زائد عن استحقاقه اليومي، فرده إلى بيت المال! إنه لم يأخذ من الأمة حتى حق الأجير الذي يعمل في الحقل أو المصنع، ولم يطالب بتحديات ساعات العمل ليكون الوقت الباقي لنفسه وأهله وعياله، وعلى هذا النمط كان يسير أولئك العمالقة الذين يسهرون على شؤون الأمة، ليلهم ونهارهم، ويؤرقهم أن يبيت فرد من الأمة عاريا أو جوعان، و يحز في نفوسهم أن يتعطل حق من الحقوق، فلا يصل إلى صاحبه في أسرع وقت.
إنهم وقد تقلدوا هذه المسؤولية العظمى، وتحملوا تلك الأمانة الغالية، ووضعت فيهم تلك الثقة العظيمة، حسبوا أنهم أقل من أجراء فوضعوا أنفسهم وأموالهم ومالهم من قوة البدن، وقوة العلم، وقوة الفكر، وضعوا كل ذلك لخدمة الأمة
لا
وهم يشفقون مع ذلك أن تكون أعمالهم تلك غير مقبولة عند الله. إن تولي الإمارة والقيام بمهمة الحكم في الأمة الإسلامية. يعني سوى تضحية الفرد تضحية كاملة، ينسى فيها نفسه وأهله وقرابته من أجل هذه الأمة التى أولته الثقة، وحكمته في مصيرها وشؤونها.
تحدث أبو العباس الشماخي عن البطل الذي يندر أن تجد له مثيلا فقال: " وكان أبو عبيدة شديد الشكيمة، قوى العريكة، لا تأخذه في ' الله لومة لائم ". إنها شهادة رائعة من مؤرخ أمين مطلع على أسرار التاريخ. عارف بسير الرجال، فهل لأبي عبيدة شواهد من هذا التاريخ تسند هذه الشهادة وتثبت هذا الحكم؟
إن الباحث الذي يريد أن يدرس حياة هذا العامل الصادق
المخلص يجد في سيرته عشرات الشواهد والشهادات. ويكفي عن كل ذلك فيما يظن شهادة أربعة أعلام أجمعت أمتهم حينئذ أن كل واحد منهم يقوم مقام مائة. إنهم الوفد الذي سافر من جبل نفوسة إلى تاهرت لينصروا الإمام في الميدانين العسكري والعلمي، ولما أعجب بهم الإمام سألهم: هل تركوا أحد في الجبل يبلغ ما بلغوا إليه من العلم والخلق والدين. قالوا: تركنا من هو خير منا 18: أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني فكانت هذه الإجابة منهم أو كد شهادة عرفها التاريخ في الاعتراف بالحق والفضل.
وشاءت إرادة الله أن يزور الإمام عبد الوهاب جبل نفوسة – هذا
113
112