الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٥٩الإباضية
11
الجبل الشامخ، الضارب في السماء الذي نسميه الآن: الجبل الغربي – في حاشية عظيمة من أهل العلم والفضل والادب، وأن يختار قرية " ميرى " التي تعتبر قلب الجبل في ذلك الوقت مركزا لإقامته، وأطلق سراح الخيل بعد عناء السفر الشاق، هذه الخيل التي حملت الركب العظيم من تاهرت الى جبل نفوسة فتساهل الرعاة في حفظها إكراماً لها، واحتراماً لمن جاء عليها، فدخل بعضها إلى الغابة، ونالت من هذه الغابة التي يحرص الناس عليها، لأنها مدار زراعاتهم، ومنبت أرزاقهم، وكان أبو عبيدة في ذلك الحين رجلا عاديا من سائر الناس، لا يمتاز عنهم بشيء غير ما يقدمه لربه، فلما سمع بوصول الإمام إلى قرية " ميرى " وبتهاون رعاته في رعاية الخيل وحفظ المزارع منها، خف إلى ملاقاة الإمام لا ليسلم عليه، ويرحب بمقدمه، ولا ليتملقه ويتزلف إليه، لم يخف إليه لذلك، ولم يذهب إلى الإمام ليرفع اليه الشكاة، ولم يراع سلسلة المراتب، فيتقدم إلى العامل أولا، ليكون هذا العامل هو واسطة الحديث، ولكن وقف أمام الإمام وقبل أن يرفع إلى اعتابه العالية ومقامه السامي، أرق التحايا. وأخلص النوايا، كما يفعل المتملقون من طلاب الدينا، الذين يتزلفون للحكام، قبل أن يفعل شيئا من ذلك، صرخ بصوته القوى، الذي يعتز بالإسلام وبالحق. قال: " إنه الرعاة عن المضرة. إن لم تعرف فقد اعلمناك، والا فصل بيننا هذا "19 وهز السيف في وجه الإمام الضيف.
كان الإمام ينظر إلى هذا الرجل الخشن القوي العنيف في أعجاب، ثم سأل عنه من يكون؟ فقيل: أبوعبيدة عبد الحميد.
وذكر الإمام شهادة الوفد في تاهرت، فقال: صدق الشيوخ، هو مثلهم أو خير منهم.
ثم ابتسم الإمام في بشر وتواضع وأصدار أوامره المشددة على الرعاة لتحرص على حفظ أموال المسلمين. فهل تكفى هذا الحادثة لتكشف عن الخلق العظيم الذي يتحلى به هذا المسلم المؤمن. إنك تستطيع أن تضعه في صف مع ذلك المؤمن الذي أجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين هدد بإمالة رأسه الى الدينا فقال له: إذن نقومه بالسيف فحمد عمر الله أن جعل في المسلمين من يملك من القوة والشجاعة ما يردع
به حكام الدولة، ويلزمهم السير في الطريق اللاحب الذي اختاره الله ورسوله لسلوك البشرية الواعية.
إن أول عمل قام به أبو عبيدة بعد أن تولي أمر المسلمين في الجبل أن أدب رجلا دعا بدعوى الجاهلية فقال: ياآل فلان يستنجد بقبيلته. وإنك إذا أردت أن تعرف من أعماله مثل هذه الحادثة، فستحتاج إلى صفحات كثيرة.
إن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ خالص يحصى الخطوات ويسلسل الحوادث ويربط الأحداث بعضها ببعض. إنه صور مشرقة من أولئك الذين ملأوا الدنيا حقاً وعدلا ومروءة، وشهامة واستقامة، إنهم أولئك الذين كانوا على الإسلام الحق في حربهم وسلامهم، في عقيدتهم وعبادتهم، لم تمتد أيديهم إلى زخرف الدنيا بالباطل، ولم تلوث سيوفهم بالدماء المظلومة، ولم تمتزج عقيدتهم بالبدعة المنحرفة، ولم تمتزج عبادتهم بالخرافة
الضالة.
115
114