الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٧الإباضية
إن تاريخ الأمة يكمن في الأعمال اليومية من أفراد وطبقات هذه الأمة في وطنها العام، بعيداً عن أحداث الدول، هذه الدول التي تفرض سلطانها لتثبت قواعد حكمها، وتقر دعائم نفوذها، وتسخر كل شيء لإرضاء شهواتها ونزواتها، دون نظر إلى حقيقة الأمة أو مستلزمات الدين.
وحين يذهب بعض المؤرخين يتحدثون عن أعمال هذه الدول المختلفة، حاسبين أنهم يتحدثون عن تاريخ الأمة الإسلامية.
الأمة
يغفلون عن حقيقة هامة وهي البعد الشاسع بين ضمير وعقيدتها، وعملها وأملها، وبين مجرى الحوادث التي تجرى عليها تلك الدول المستبدة، إن حقيقة تاريخ الأمة أعمق من أن يكون أعمالا تقوم بها دولة دون أن تستمد هذه الأعمال من حقيقتين ثابتتين: دين الأمة، ورأى الأمة الحق. وحتى في هذه الحالة لا يكون تاريخ هذه الدولة تاريخا للأمة إلا إذا كانت الأمة كلها مجتمعة على اعتبار هذه الدولة واعترافها بها، وخضوعها لأحكامها، خضوعا شرعيا، حسبما قرره الدين لتنظيم الدولة، مع احترام كرامة الأمة سياسياً، واجتماعيا، واقتصاديا، واحترام كرامة الفرد في سلوكه مع الدولة والناس، وفي سلوك الدولة والناس
معه.
عن
إنني حين أتحدث في هذا الفصل وفي هذا الكتاب فإنما أتحدث الأمة الإسلامية، والدولة المسلمة، وما حديثي عن الفراعنة في أسطر سابقة إلا مثل عابر سقته لتوضيح فكرة … إن الحروب التي قامت بين الدولة الأموية والخوارج، أو بينها وبين الشيعة، أو بينها وبين الدولة العباسية، أو بين غيرها من الدول
التي تعاقبت على الحكم، أو تنازعت عليه في مختلف العصور الإسلامية، إن هذه الأحداث الدامية لا تكون من تاريخ الأمة الإسلامية، لأن الناس الذين اشتركوا فيها كانوا محمولين عليها، إما بالخوف، وإما بالطمع. وإما بالتغرير، فهم ينفذون إرادة واحدة ولذلك اختلفت أنظار الأمة إلى القائمين بهذه الحركات. فأيدت كل قسم من هذه الأقسام طائفة من الناس، من أجل الأغراض السابقة، أما الأمة فهي تعرف أن تلك الحروب ليست لمصلحة الدين، وليست لمصلحة الأمة. وعلل من ينطق برأي الأمة أسباب تلك الحروب فجعلها مرة (الثريد الأعفر ومرة أخرى (بغلات معاوية الشهب).
إن هذه الحوادث، ليست تاريخ الأمة، فإن انتصار الدولة الأموية على الخوارج، أو قضاءها على ابن الزبير، أو تغلب الدولة العباسية على الدولة الأموية، أو تغلب أية دولة مسلمة على دولة أخرى مسلمة، لا يحسب مجداً للأمة المسلمة، أو حقيقة من تاريخها، فإنه ليس من تاريخ الإسلام، ولا من تاريخ الأمة المسلمة، ولا مما يحسب مجداً للإسلام. أن يقضي بنو أمية على الخوارج والشيعة، ولا أن ينتصر بنو العباس على بني أمية، ولا أن ينتزع بنو فاطمة كراسي الحكم من بني العباس. إن هذه الصور وأشباهها قد تكون صورا من تاريخ رجال بني أمية، أو بنى فاطمة أو الخوارج أو ابن الزبير، أو بنى العباس. ولكنها ليست بحال من الأحوال صورة من تاريخ الإسلام، أو تاريخ أمة محمد عليه صلى الله عليه وسلم.
13
12