الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦١

الإباضية

كان "خلف " قد انكمش بعد الضربة القوية التي وجهها إليه أبو عبيدة عندما غرته نفسه ومنته الأماني، فهاجمه في مركز حكمه، ولم يتحرك بقية مدة ذلك العامل القوي. فلما توفى أبو عبيدة وبقيت البلاد بدون عامل وانصرمت أيام طوال تجرى فيها المخاطبة بين رجال الشورى والإمام في تاهرت، تحرك الشيطان لخلف فأوحى إليه أن الفرصة سانحة. وأن هذا

للعمل، ووسوس وقت العمل لتحقيق الحلم اللذيذ؛ الحلم الذي كان يداعب خلفا ليرتفع إلى مرتبة السلطان، ويتربع على كرسي الحكم. وتحرك الرجل من جديد، وبدأ في تجهيز الجيوش وإعداد العدة فما يكون موقف العباس بن أيوب، أو توفيق بن أيوب كما يحلو لأبي مرداس أن

يسميه.

بعث العباس بن أيوب العامل الجديد إلى خلف أن يكف عن العدوان، وأن يلتزم حوزته، وأن لا يتعدى على أموال الناس وارواحهم، ولكن خلفاً أخطاً مرة أخرى في فهم هذه الرسالة. وظن هذه الملاينة مرة أخرى ضعفاً وخشية لقوته، ورهبة من جيشه، فتمادى في غيه وأصر على موقفه، واستمر في عداوته، وسار بجيشه الكثيف، نحو مركز العامل الحريص على سلامة

خلف

البلاد والعباد. ولما علم العامل الفتى الشجاع هذا الموقف من. ورأي منه هذا الأصرار والعناد، وسمع بمسيره نحوه استعد له وكون حملة لتأديب هذا الرجل العاق الذي ينحرف عن الإسلام. ويستحل ما حرم الله من دماء المسلمين وأموالهم، والتقى الجيشان داخل حوزة العباس وتراءى الجمعان.

كان جيش خلف كالموج الزاخر، يضطرب بالفرسان كثير العدد، حسن التجهيز، وكان جيش العباس عبارة عن حملة تأديبية، عبارة عن سرية صغيرة قصد منها رد العدوان. ورأي بعض ضعاف النفوس من جيش العباس، هذه الكثرة الهائلة في جيش العدو، وهذا الاستعداد المتين فخاف العاقبة، فذهب إلى أبي مرداس وهو من رجال الشورى الذين يؤثرون على قائد الجيش، ذهب إليه يكشف له عن رأيه، ويبين له أن العدو يفوقهم عدداً وعدة ولكن أبا مرداس أجابه إجابة المؤمن الواثق بربه الراجي للنصر العارف بقيمة الأبطال، الذين يحاربون إلى جنبه؛ الأبطال الذين يحاربون عن الحق، ويرغبون الشهادة، ويثبتون على المبدأ، إن الفرق كبير جدا بين رجل يحارب من اجل جاه أو مال، ورجل يحارب من أجل حق وعقيدة؛ إذ أن الأول إذا تعسر عليه الحصول على الجاه أو المال، تركها محافظة على الروح محافظة على سلامة نفسه، أملا أن يجد فرصة، أحسن، ووقتاً أكثر ملاءمة، أما الثاني: فإن أول ما يقدمه هو روحه، أو لذلك فليس له إلا أحد أثنين: أما النصر. وإما الشهادة، وليس له شئ يحافظ عليه، ويبقي على سلامته. قال أبو مرداس: لا أخاف على جيش فيه أبو الحسن الأبدلاني. وسكت الرجل، ولكن الجواب لم يقنعه، إنه يريد جوابا عمليا، لها كل الاستعداد ولذلك إنه يريد تأخير المعركة حتى يستعد ذهب إلى أبي الحسن الأبدلاني في الطرف الآخر من الجيش. وأخبره نفس الخبر، وأطلعه على الحقيقة المخيفة: أراه كثرة العدو واستعداده، وأراه قله جيشهم بالنسبة إلى عدوهم، ولكن أبا الحسن الأبدلانى أجابه إجابة الواثق بربه، العارف بصحبه، فقال

119

118