الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٦٢الإباضية
له: لا أخاف على جيش فيه أبو مرداس. وعجب الرجل من حسن الاتفاق وصدق الفراسة، وعظم الثقة في الله، واقتنع أن النصر لا يأتي من كثرة العدد وقوة الساعد فقط، ولكنه ينبع من القلب، ينبع من الإيمان ووقعت الحرب، وتصادم الجيشان، وطال بينهما النضال.
لم ينهزم جيش الباطل بالسرعة التي يظنها المؤمنون الصادقون، فذهب أبو مرداس إلى العباس، عامل الإمام، وقائد الجيش العام، وقال له: "تب إلى ربك فما تأخر عنا النصر إلا لأن شيئا ما وقع منك، وما كان للباطل أن يقف أمام الحق هذا الوقت الطويل .. " ولم يغضب القائد على هذا الرجل الذي يتهمه بالمعصية، ويحمله مسؤولية تأخر النصر، ولكنه قال في حرارة وصدق وأخلاص، اللهم إنى أتوب إليك من كل ذنب ارتكبته، ثم اندفع إلى الميدان، وصاح في القوم: اعملوا كما ترونني أعمل. ولم تمض على هذه التصفية إلا لحظات قلائل، حتى أنهزم الباطل بكثرته، وانتصر الحق، بقلته، ووقف أبو مرداس وفلول جيش العدو تولي منهزمة مدبرة وصاح في الجيش: لا تتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح ولا تستحلوا مالا. ولكن جندياً في طرف الجند تحدى البطل العظيم أحد أولئك الأفراد الذين لا تهمهم الشخصيات، ولا تعظم في أعينهم الأوامر، إلا إذا كانت متسمة بالحكمة والحق. وأعلن هذا الجندي العادي لقائد الجيش، ولأبي، مرداس أن فلول العدو لاتزال داخل الحوزة وأنهم سوف يطارودنهم حتى يخرجوا من الحدود وعرف أبو مرداس الصواب في رأي الجندي البسيط، فسكت. ووافق القائد على هذا الرأي
فطوردت تلك الفلول حتى تجاوزت وادى الآخرة 22، وهو آخر الحوزة
في ذلك الحين. وقضى منذ ذلك الحين على هذه الفكرة التي كانت خلفاً تراود. . فلم يحلم بها من بعد، ولم ينهض لقتال .. انتهى خلف بعد هذه الصفعة المؤلمة، فلم يعد يحلم بالإمامة، ولم يطالب بالبيعة، ولم يعد يباشر عمل السلطان الغشوم؛ يقتل الأرواح ويسرق الأموال، ولكن أولئك القوم الذين كانوا يناصرونه ويعقدون عليه آمالا طوالا وتعودوا العدوان بالغارة، واستمر أوا النهب والسلب، واستحلوا الأموال بالباطل، أولئك
لم
القوم لم ينفكوا عن موقفهم: فكانوا يغيرون على أطراف الحوزة يقتلون ويسلبون ويغزون. ولما أصبحوا لا يجتمعون تحت إمرة قائد عظم خطرهم وكثرت غاراتهم، وتواصلت تعدياتهم، ولهذه الأسباب قرر العامل الحازم أن يقضي على هذا الفساد. نظاماً وأن يفرض الأمن على البلاد التى لا تخضع لحكم ولا تتبع. وكون جيشه القوي، وسار فكان الناس يتسابقون إليه مرحبين به منضمين إليه، وقد تعترضه شراذم متفرقة فتراق دماء، وتذهب أنفس، وكان أبو مرداس من أخلص المستشارين وأحرص المؤمنين على مصلحة الأمة، وأكره الناس لإراقة الدماء، فلما رأي تسابق الناس وترحيبهم بعامل الإمام أمل أن يتوب أولئك العصاة المارقون دون قتال أو استعمال شدة، فجاء إلى العامل الذي يزمع التقدم بنصحه بالرجوع، ويطلب إليه أن يعطي القوم فرصة لعلهم يفكرون فينضمون إليه أو يقلعون عن الشغب، ولكن العباس وقد استعد وصمم على إقرار الأمن، رأي أنه لاداعي. أن أمن مجموعة من القرى والمدن، وأقبل الناس عليه للرجوع بعد
121
120