الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦٣

الإباضية

فرحين مستبشرين، وهو يأمل أن يتم هذه المهمة في أسرع وقت. فقال أبو مرداس ارجع وإلا صحت في الناس أن يرجعوا .. ولما رأي العامل هذا الإصرار من أبي مرداس استجاب له، ووقف خطيباً فقال: " أيها الناس نفذ الزاد، وضعف الكراع، فارجعوا حتى إذا سمنت الدواب وجددنا الزاد، رجعنا ".

لم تكف هذه الحملة لتأديب أتباع خلف، فما رجع حتى عادوا إلى ماتعوده من الاعتداء على الآمنين، وسلب أموالهم ونهب أرزاقهم. وجرد العامل الحازم حملة أخرى لتأديبهم ففروا من أمامه، وأراد هذه المرة أن يستأصل الداء، وأن ينتهى من هذه المشكلة التي طالت، ولكن أبا مرداس كان لا يزال عند رأيه الأول. كان لا يريد استعمال القوة، وكان يرجو أن يثوب أولئك العصاة إلى رشدهم، ويتوبوا إلى ربهم، فنصح للعباس بالرجوع، ولكن العباس هذه المرة كان مصمما على المضي، فلم يمتثل لنصيحة الشيخ ولم يستجب لدعوته، فرجع أبو مرداس إلى نفسه وقال: " ما أعظم جنون مهاصر - يعني نفسه – حين يترك ربه ويلجأ إلى رجل مثله، يطلب إليه امراً " ثم اتجه إلى ربه داعياً أن ينزل عليهم غيثاً عميماً، فاستجاب الله دعاء الشيخ ونزل الغيث مدرارا، سالت به الأودية، وارتوت به الهضاب، فجاء الجند إلى تأذنونه في الرجوع؛ لأن الموسم موسم زراعة وهم جند يقاتلون دون أن تكون لهم مرتبات، وليس لهم مطمع في غنيمة لأنهم يقاتلون الموحدين البغاة، واضطر القائد إلى تلبية رغباتهم، فقال له الشيخ ردهم الآن إن استطعت! وهكذا انتهت الحركة الثانية وفق رغبة أبي مرداس، ولكن آمال أبي

القائد

يس

مرداس لم تتحقق، فلم يثب أولئك القوم إلى رشدهم ولم يتوبوا إلى ربهم، ولم يحاسبوا أنفسهم، بل ما كف عنهم حر القتال، حتى عادوا لما نهوا عنه. لقد كان الشيخ يعتقد أن هذه المناورات التي يقوم بها الجيش القوي المظفر كافية لإرهاب العدو، وإيناس الصديق، فينكمش المعتدون، وأما المسالمون فإنهم سوف ينضمون إلى الإمامة، وبذلك يكون قد استطاع أن ينشر الأمن في جميع الربوع، دون أن يريق الدماء. ويظهر أن رأي القائد كان أنسب لهؤلاء الذين طبعوا على العناد، وألفوا الغارات وتعكير الأمن وسلب أموال الناس، ولذلك فقد جهز للمرة الثالثة حملة قوية لتأديبهم، وصمم على أن يقضي على الأيدي العابثة. ولما كان ببعض الطريق تفقد الجيش. فلم يجد أبا الحسن الأبدلاني وأبا مرداس، فحبس الجيش ورجع يلتمسهما مخافة أن يكون وقع حدث دون أن يعرف، غضب منه الشيخان، وهو حريص أن يكون عند رضائهما بل إن الأمة كلها كانت حريصة على رضائهما. أما الشيخان فقد تعبا من المسير، وضعفا عنه لكبر السن فرأيا أن يستريحا قليلا بالطريق. وقصدا " أغرميمان " بتغرمين عند العجوز هذه العجوز العالمة الصالحة التقية، التي قصرت نفسها في مجلس الذكر كما تدل عليه كلمة " أغرميمان " التي تعنى قصر النفس في مجلس الذكر. وأصلها أغرم إيمان. العجوز أم الخطاب بزيارة الشيخين، فذبحت شاة

وفرح

123

122