الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦٤

الإباضية

لضيافتهما، وكانت تناقشهما في مسائل العلم ومعاني العبادة وما لبثا حتى وصل العباس يلهث من التعب ويتساءل في حيرة وارتباك عما أرجعهما عنه. فبادر أبو مرداس يطمئن القائد قائلا: " إنك على الحق لم ننكر عليك شيئا " وأوضحا له أنهما تعبا وأصبحا لا يطيقان السير العنيف، ومصاولة الأقران. فاطمأن قلبه وقال لهما دعا الحرب لمن يطيقها.

كانت العجوز تستمع إليالحديث الذي يدور بين الأبطال الثلاثة وكانت لم تعرف أنهما رجعا إليها من الجيش، فلما علمت بذلك، وعرفت أن العباس ذاهب إلى قتال العدو، عمدت إلى اللحم وكان قد نضج واستوى، فوضعته في خرج العباس، وقدمت إلى الشيخين المرق قائلة لهما وهى تشير إلى العباس وقد امتطى جواده وانطلق به: هذا الذي يستحق اللحم أما أنتما فيكفيكما الجلبان تعنى العدسن وما معه، فابتسم الشيخان في رضا واستحسنا منها هذا السلوك.

أما العباس فقد تعقب الجناة واستمر ينشر الأمن ويقيم العدل ويحافظ على قواعد الإسلام، حتى بلغ كَكْلَة فأمن الناس وعم الرخاء، وانقطعت أسباب الفتنة.

لقد كان العباس مثل أبية، قوة وشجاعة وإيماناً لا

يرهب بطلا

ولا يخشى معركة ولا تغره دنيا، ولا يدخله الشيطان من باب يتواضع للمؤمنين حتى تحسب به ضعفاً به ويقسو على العصاة والمجرمين حتى تخال به عنفاً، ولا يتمسك برأيه في عناد وإصرار ولكنه يستمع النصيحة ويرجع إلى الشورى، ويعمل بما يقول به

المخلصون.

أبو ذَرَ أَبان بن وسيم

نشأ كما ينشأ الفقراء من أبناء العوام، كفاح متواصل في سبيل العيش، وعمل دائب في زراعة الأرض، حتى شب عن سن الدراسة، واستعصى عوده عن حمل المحفظة، وأصبح رجلا من أولئك الرجال الذين لم يتح لهم أن يغترفوا من مناهل العلم العذبة، فنشأ جافاً، وإن كان ذا ذكاء متوقد ونفس حساسة وعزيمة دونها الفولاذ مضاء .. مرض يوماً فلزم حجرة مع أخيه عبد الله: العالم الفقيه فكان الناس يزورونهما، ينصرفون بأحاديثهم ووجوههم وقلوبهم ومؤاساتهم إلى أبي عبدالله، ولا يلتفتون إلى أبان إلا إذا نهضوا للخروج، فتنطلق منهم كلمة المجاملة: " كيف حالك يا أبان؟ "، فيجيبهم ونفسه تكاد تنفجر: " إن عاش أبان جعل للدنيا جزاءها إن شاء الله " .. وعاش أبان، وسلم من هذه المرضة، وشفى من ذلك الداء. وخرج لا ليواصل كفاحه في غرس الأشجار ورعي الأبقار وجمع وسائل العيش: ولكنه خرج ليستقبل عملا جديداً، يخجل أكثر الناس أن يقوم به، ويضربون لذلك المثل فيقولون: " بعد ما شاب دخل الكتاب "، خرج ليزيد إلى كفاحه في سبيل حياة الجسم، كفاحاً في سبيل حياة الروح … كفاحاً أشـ يقتضى صبراً وسهراً، وقوة إرادة، وصدق عزيمة، وبدأ يتعلم …

125

124