الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦٥

الإباضية

بعد أن ينتهى من كفاحه المادي، يذهب إلى علامة زمانه أبي خليل الدركلي، للدراسة، وكان أبو خليل من أولئك الذين خلقوا بطبعهم للتعليم، وتبليغ رسالة الله، وتوجيه الناس إلى المثل العليا، فلم يكن يقتصر في تعليمه على وقت، أو يقف عند نظام، أو يراعي طبقة، إنه وهب نفسه كلها، ووقته كله للتعليم: يلقي الدروس النظامية على الطبقات النظامية في مدرسته العامرة، في الأوقات المخصصة، ولكنه عند ما يخرج من المدرسة إلى السوق، إلى المسجد إلى البيت في الليل أو في النهار كان لا يكف عن التدريس، ولا ينقطع عن التعليم، ولا ينتظر أن يكثر الطالبون، أو أن تستدير به، الحلقة، ولذلك فقد كان نبعاً ثراراً عذباً، يستقى منه أبان في أي وقت أمكنته الفرصة وحضر إليه. وواظب أبان على هذه الدراسة، وتفتح قلبه وعقله للعلم والفهم، يساعده على ذلك عزيمة صادقة وصبر على المتاعب والمصائب، راض نفسه عليها يوم كان يكافح من أجل الحياة. وإيمان بأن حياة الانسان بدون علم لا تستحق أن تحيا أو تحسب من العمر، وبلغ في درجات العلم فوق ما أمل، وأجازه أستاذه أبو خليل الدركلي، إجازة لم يتحصل عليها أحد من طلابه الأذكياء النجباء، وما كانت تجاز إلا للقليل من الأعلام، الذين يدركون أسرار الشريعة ويفهمون مقاصدها العميقة، ويفرقون بين المتشابهة المظاهر، ويعرفون بواعثها ويتعمقون في دراسة نفسيات الناس، ومدى ارتباط أعمالهم بإيمانهم، فقال له: " افت للناس بالرخص، لكل زمان نذير وأنت نذير زمانك ". إن الفتوى بالرخصة لا تصح لكل أحد، ولا لكل حالة، ولا تكون قاعدة عامة

الحالات

تبني عليها الأحوال المتشابهة، ولا يفتى بها كل متعلم، إنها كالدواء الضروري، الذي لا يعطى إلا في حالات خاصة؛ تراعى فيها جوانب معينة، لا يمكن أن يدركها إلا قلة. من العلماء، الذين أوتوا فهما لأسرار الشريعة وحكمة الفريضة، ومعرفة نفسيات الناس: وكان من هؤلاء الصنف: هذا العلامة الذي درس بعقله، واعتمد على فكره، وبلغ أعلى مراتب علم الشريعة، بفهمه لا بحفظه، فأصبح أعظم مرجع للإسلام، وقدوة للعلماء الأعلام. ولا يخلو كتاب من كتب الإباضية عن آرائه وفتاواه وتحقيقاته وكثيرا ما تكون تلك الآراء هي خاتمة النقاش، ومحز الخلاف.

لقد كان نافذ البصيرة، حاد الذكاء، عميق الفهم قوى الحجة، واسع الاطلاع، ولكم وجهت إليه الأسئلة في معضلات المشاكل، فوجدت عنده الجواب السهل القريب، وكان بعض المتعلمين يؤلفون أسئلة فيما يظنونه مستحيلا أو قريباً من المستحيل، ويوجهونها إلى ذلك العلامة، فيجيبهم دون روية أو تفكير.

قيل له يوما: كيف المخرج لرجل حلف لإمرأته بالطلاق أن لا يزوج ابنتهما لمن يحبان؛ ولا لمن يبغضان؟ وظن السائل أنه وضع بين يدي الشيخ سؤالا معقدا يحتاج إلى تفكير على أقل تقدير. ولكن الشيخ خيب ظن السائل وأجابه على الفور: يزوجها لمن لا يعرفان، واقتنع السائل وسكت.

وقد كان الطلبة كثيراً ما يضعون أمثال هذه الأسئلة التي يعتقدون استحالتها أو صعوبتها، ويأملون من وراء ذلك أن يقف

127

126