الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦٦

الإباضية

هذا البحر حائراً مرتبكاً، ولكنه كان في كل مرة يخيب ظنهم. ويجد الجواب الشافي دون حيرة أو أرتباك

لهجت الألسن بعلمه وفضله، وتقاه، وقوة إرادته، واتباعه للحق. فهمه للأسرار، وشدة ذكائه، وكان الإمام في " تاهرت " يبحث عن مثل هذا الرجل ليوليه أمور المسلمين. إن العلماء والصلحاء والتقاة كثيرون في ذلك الحين، ولكن العلم والصلاح وحدها لا يكفيان للإختيار إن الذكاء وقوة الإرادة والصلابة في دين الله، أمور ضرورية لمن يتولي شأن المسلمين.

كان الإمام يبحث عن هذه العقول النيرة، والقلوب البصيرة، ليحملها أمانة الأمة، ويضع بين يديها تلك المهمة العظمى. فبحث إليه بعد وفاة العباس بالولاية على جبل " نفوسة ". وما

والاه.

إن تولي أمر المسلمين عند أولئك الناس لا يعني جاها ولا منصبا ولا ثروة، ولكن يعني تحمل أعباء ثقال، يحاسب عليها الرجل من ضميره، ومن الإمام، ومن الأمة ومن الله: ولما جاء أمر الإمام إلى العالم الكبير بالولاية لم يرده؛ ولكنه قبله في حزن وأسف، ثم أتجه إلى الخالق الذي بيده الموت والحياة، وتضرع إليه في حرارة: أن لا يطيل مدة هذه الولاية، وأن يجعلها لا تتجاوز بعة أيام فإن تجاوزتها فلا تتجاوز سبعة أشهر. وأستجاب الله لدعوة عبده، فلم تتجاوز مدة ولايته سبعة أشهر. " إن لله رجالا لو أقسمو عليه لا برهم ".

أبو منصور إلياس

مؤمن عميق الإيمان، وبطل لا يهاب أعباء البطولة، نشأ في "تندميرة" في هذه القرية التى كانت ولم تزل مقراً للعلم والدين، ومنبعا للذكاء والخلق المتين لم تتح له فرصة الدراسة في صغره، وكان في خلقه خشونة وعرامة. وفي بنيته أسر وقوة، وفي طبعه حدة وشدة. لم يهذبه من ذلك في زمن الصغر إرشاد المدرس، ولم تنل منه عصا المؤدب. فشب صلبا قويا، ولكنه في هذه الصلابة والعزة كان يجل العلم والعلماء. كان ذات يوم في " تيجى " في هذه القرية الجميلة الوسنانة. التي تستلقي في استرخاء عند أقدام الجبل الشامخ. تمتص الزلال العذب من منابعه الصافية، وكان ينحدر الماء إليها من القمم الشماء التي تناطح السحاب في كبرياء. وكانت " تيجى " في " ذلك الحين مدينة آهلة بالعلم والعلماء، وكان سعد بن أبي يونس الذي أسندت إليه ولايتها بعد أبيه، يتولي شؤونها ويرعى أمورها، ويقيم فيها كتاب الله ويشرف على المدرسة العامرة. التي أسسها أبوه فيها، والتي خرجت فيمن خرجت أبا معيد الجناوني: العالم الزاهد الذي يقوم مقام أمة.

11

قلت: إن أبا منصور كان في تيجى لشأن من الشؤون فلقي أبا مرداس مهاصر، وكان أبو مرداس حافي القدمين، منهك القوى.

129

128