الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦٧

لها

الإباضية

قد أدمى الشجر والحجر قدميه، وكان في سنة قحط وشدة، فرق ــه أبو منصور، ونزع نعليه فأعطاهما للشيخ، فتقبل الشيخ هذه الهدية، ثم اتجه بقلبه إلى ربه وقال يخاطب أبا منصور - وكان أبو منصور فتى قويا من أهل الجملة -: " نزع الله منك يافتى مالا يرضي، ورد فيك مايرضي". قال أبو منصور يتحدث عن نفسه: " فأحسست حين دعا بما غشينى " فوقع في نفسه التعلق بالمراتب العالية من العلم والعمل.

وهكذا تغير وجه التاريخ بالنسبة إليه واتجه اتجاها جديدا حتى بلغ غاية يقصر عنها كثير من العاملين. واشتهر علمه وخلقه ودينه بين الناس حتى بلغ ذلك، الإمام أبا اليقظان في تاهرت فعينه واليا على ليبيا، وسار في عمله السيرة التي يعرفها المسلمون: قوة في الحق لا تبلغ الطغيان، وعدل بين الناس يجري على ما أمر به كتاب الله و وهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخلق كأخلاق الصحابة، يدفعها الإيمان للعمل، ويقف بها الإيمان عن الانحراف عن سبيل الله، يبلغ في شدته على العصاة والمجرمين والمنحرفين ما يملأ قلوبهم خشية للحق. ويقف لكلمة حق يسمعها من أي شخص عادي، لا تغلبه نفسه عن الرجوع إلى الحق في أي موقف أو أي مكان. إنه كان صورة ثابتة للفاروق رضى الله عنه، ولو لم يتح له ما أتيح للفاروق: من إقامة دين الله والمحافظة عليه.

جاءته رسالة من أحد عماله يطلب فيها إقامة الحد على حاملها، وكان جماعة من العلماء حاضرين: فيهم القاضي عمروس: وقرأ الوالي الحريص على إقامة حدود ا الله الرسالة

وفهمها، وبدأ في إقامة الحد.

وفي هذه الأثناء وصل العالم الزاهد أبو الليث 28، فأفسح

له المشائخ في المجلس، وطلبوا منه أن يشرف مجلسهم، ولكنه أجابهم - وهو يشير إلى الوالي - حتى أنظر ما يقع هناك، ووصل إلى الوالي وهو يباشر إقامة الحد، فسأله. عن عمله هذا؟ فأخبره الوالي أنه يقيم الحد برسالة وردت إليه من أحد عماله، فقال له

: " أمن أجل سواد في قرطاس تضرب الناس، ياإلياس؟. " وقرعت كلمة الحق سمع الوالي العظيم، وتمكنت من قلبه، فأوقف يده الضاربة: ووقف موقف التلميذ المذنب أمام المدرس الحازم، وسأله عن رأيه في القضية، فقال الشيخ العالم: تضع الرجل في الحبس، وتبعث بالأمين. فإذا ثبت عليه الحكم أنفذت فيه الحد، وإلا وجب أن تقاصصه من نفسك: وأطاع الوالي، وبعث بالأمين. فثبت عنده أن الرجل مظلوم، وأن الجاني المطلوب لم يحضر، وإنما سلم الرسالة إلى هذا الغافل ونزل الوالي على حكم الشيخ وقاصص الرجل من نفسه.

هذا مثل يوضع بين يديك أيها القاريء الكريم. يوضح لك قيمة العلم عندما يقوده الإيمان والحق والدين الصحيح. إن العلماء هم حجة الله في الأرض يستوي عندهم الحاكم والمحكوم: لا يقع بين أيديهم شأن من شؤون الدولة والأمة حتى يفهموه حق الفهم، ثم يصدرون فيه حكم الله: وما دام هؤلاء العلماء في الأمة، فإن الأمة بخير فإذا انقلب العلماء إلى أتباع للحاكم، أعماله، ويساندونها بالفتوى، ويوجبون طاعته على الناس. ويطالبون الشـ بالصبر، ويتلقون ما يقذفه عليهم هذا

يبررون

:

131

130