الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٦٩

الإباضية

ووصل ابن الأغلب إلى طرابلس بعد أن تمت المعركة وانهزم ابن طولون، ورجع أبو منصور إلى مركز حكمه.

وصل ابن الأغلب كما تصل الغربان يبحث عن الدنانير التي عف عنها أبو منصور ويلتقطها من الناس، حتى أن الجندي كان يبيع دنانير ابن طولون سراً بأي ثمن، خوفا من وجودها عنده. في هذه الحادثة التاريخية يلتقي ثلاثة قواد من قادة الأمة الإسلامية: هم العباس ابن احمد بن طولون، وابراهيم بن احمد الأغلب، وأبو منصور إلياس.

بن

وفي إمكانك أيها القارئ الكريم أن تقارن بين هؤلاء الرجال، وأن تعرف أيهم كان يتبع في جميع تصرفاته هدى الإسلام، وأيهم كان يتبع هواه، ويسير في سبيل الشيطان؟

أيهم كان يمثل الإسلام حق تمثيل؟ وأيهم كان لا يبالي بدين؟ ولا يقف عند حدود الله؟ … هذا فتى يجد غرة من أبيه السلطان فيسرق خزائن الدولة، لأنه يتعجل الوصول إلى الحكم، ثم يكون جيشا ويتجه إلى المغرب. يقتل الأنفس البريئة، وينتهك الحرمات المصانة، ويجازى من أحسن إليه شر الجزاء، ويهدد مسالما لم يتعرض له فيقول: " أقدم بسمعك وطاعتك، وإلا وطئت بلدك بخيلي ورجلي، وأبحث حرمك ".

ما مقدار إيمان هذا الرجل الذي يسرق خزانة الدولة، ثم يتوغل في بلاد المسلمين: يقتل ويسلب ويغنم، وينتهك الحرم، ولا يقف عند هذا الحد العملي، بل يتجاوزه إلى أن يسند لنفسه التشريع. فيقول لمؤمن عصم الإسلام ماله ودمه وحرمه: " وأبحت حرمك "

إن الذي بيده الإباحة والتحريم، إنما هو خالق الخلق، وليس لغيره أن ينزل دينا على حسب هواه، يحلل ويحرم.

ب

ذلك إلى

إن الرجل الذي يستحل ما حرم الله، ثم ينسـ نفسه في غرور ووقاحة وتبجح. لا يخشى أمر الله، ولا يستحي من مخالفة دينه وأمره، ليبعد عن الإسلام! وضع إلى جانب هذا الموقف الظالم الخارج عن حدودا موقف خصمه، هذا الخصم الذي اعتدى عليه في مقره، وهدد بإباحة حرمه، وبأن تطأ الخيل بلاده: وطولب أن يقدم السمع

الله

والطاعة لفتى مغرور أقل ما يوصف به عقوق الوالدين. لقد ثار! … وأي حر لا يثور؟ … ولاقى الطاغي الجبار في قصر حاتم … وكانت المعركة .. وشاءت إرادة الله أن ينتصر الحق والشهامة ولمروءة! … وأن ينهزم الطغيان المتكبر الجحود! … فماذا كان من المنتصر؟ .. ما هو موقف أبي منصور إلياس؟ .. هل ذبح الأسرى؟. هل قطع الرؤوس؟ هل انتهك الحرمات؟: حرمات المحاربين، أو حرمات المسالمين هل أطلق أيدي الجند للغنيمة؟ هل جمع الأموال ليستأجر بها المرتزقة؟ أو ليبني بها القصور؟ أوليكدسها في بيت المال؟ هل جمع الذهب الذي يتناثر في المعركة كما يتناثر الحصا؟ إن وقر ثمانمائة حمل تنتشر هناك؟!. ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك … وعند ما ولى العدو منهزماً، وركب ابن طولون فرسه هارباً. أوقف أبو منصور رحا القتال، ثم أمر جيشه بالرجوع، هذا الجيش الذي يقاتل في سبيل الله، لا يأخذ من الدولة مرتباً، ولا من

135

134