الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٧٠

الذي يعصمه من الخطأ والزلل هذه الصفات وما إليها، بقيت خالدة مع الإنسان، توحى بالعبرة والذكرى لكل من يتولي أمر

أمة.

إن الشهامة التي يتصف بها أبو منصور، والعبرة التي تركها للأجيال، والقدوة الحسنة التي خلقها لقواد الجيوش: أغلى من ملء الدنيا ذهباً. وما عند الله خير وأبقي! …

137

الإباضية

الدماء

ساحات القتال غنيمة. ورجع أبو منصور بجيشه المظفر بريئا من الإنتقام. بريئاً من الظلم، بريئاً من العدوان نظيفاً. من المسالمة، نظيفاً من الحرمات، نظيفاً. من جميع الأموال! … أموال

المسالمين، وأموال المعتدين، إنه لم يأخذ من هذا الذهب المتناثر في ميدان المعركة قطعة واحدة يحتفظ بها للذكرى، أو يجعلها في دور الآثار …

وجاء الطامعون بعد ما خلا الميدان من المنهزمين والمنتصرين يتخاطفون ما عف عنه. أولئك الأبطال المؤمنون، الذين يعرفون أين يقفون من حدود الله … ووصل القائد الثالث، الذي كانت الحملة الطولونية موجهة إليه وصل بعد أن انتهى كل شيء. فماذا فعل ابن الأغلب؟ .. إنه رجع إلى أشلاء المعركة، يجمع بقية الأسلاب ويطارد الناس الذين غنموا من غير جهد، فينتزع منهم ما أخذوه، ويفتش الأفراد والجماعات، ليتحصل على هذا الذهب. الذي فرطت فيه خزائن القاهرة. حتى كان الرجل يبيع ما معه من دنانير ابن طولون بأي ثمن ليتخلص منها، مخافة أن يجدها أعوان الطاغية الثاني. وسار التاريخ، لا يلتفت، وفنى الذهب الذي سرقه ابن طولون من خزائن أبيه ليبني به عرشاً، فنثره أبو منصور النفوسي في ميدان المعركة، وفنى ابن الأغلب، رغم هذه الدنانير التي كان يفتش عنها بدقة، ويجمعها بحرص وفنى أبو منصور أيضاً، كما يفنى جميع الناس ولكن هذا المثل الرائع الذي ضربه للحكام. وهذه السيرة العطرة التي سار بها بين العدو والصديق، وهذا الخلق الكريم الذي اقتبسه من أخلاق النبوءة، وهذا الدين القويم.

عنده

136