الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٧٣

أفلح بن العباس

بطل آخر من أبطال الكفاح الكفاح بأوسع معانية، كفاح النفس والهوى … وكفاح الظلم والباطل … وكفاح الباطل من أي طريق جاء … وثقت فيه الأمة … ووثق فيه الإمام، فاسند إليه الإمامة على ليبيا وسار على النهج الذي سار عليه أسلافه: أبان وأبو عبيدة، والسمح، وآباؤه: العباس وأيوب.

تواضع للمؤمنين يكاد يكون ذلك … وقوة على العصاة والمجرمين تصل إلى درجة الحدة … وحمل للناس على السير في السبيل الواضحة، وقيام بأمور المسلمين ومهامهم دون تفريط في قليل أو كثير، وحب يشمل جميع المسلمين .. وشورى تقف حيث يريدها خيار الأمة، وتتجه أنى يطلبون فلا يقطع أمراً دون رأيهم، ولا يصر على عمل وهم له كارهون، ولا يقف عن أمرهم فيه راغبون. ولعل موقفه هذا يتجلى في الموقعة التاريخية المشهورة، التي حطمت فيها سيوف نفوسه … وقعة مانو .. جهز إبراهيم بن أحمد بن الأغلب جيشا عظيما من تونس يريد به غزو مصر، ولما وصل إلى رقاده أقام بها مدة يستكمل عدته. ثم أتجه إلى مصر يريد حرب ابن طولون … وطريق هذا الجيش بليبيا وليبيا إباضية المذهب، تابعة للدولة الرستمية، ماعدا طرابلس العاصمة والبحر - حسب المعاهدة التي وقعت بين

يمر

عبدالوهاب الرستمي وعبد الله ابن الأغلب. وكان الوالي على ليبيا حينئذ هذا البطل الذي تتحدث عنه .. إنه أفلح بن العباس بن أيوب، وكانت شواطئ البحر والسهول الممتدة بين طرابلس والجبل مملوءة بالسكان، عامرة بالقرى والدساكر، وكان هؤلاء كلهم من الإباضية الذين يرجعون إلى أفلح.

ولما سمعت نفوسة في الجبل بعزم ابن الأغلب على محاربة ابن طولون في أراضيهم، وأرادوا منعه من المرور ووقع خلاف بين

هذا

أهل الرأي والمشورة، فكانت الأكثرية تريد الوقوف في وجه. الغازي الظلوم، وكان بعض أهل الرأي يفضل عدم التعرض له

ما لم يكن قصده محاربة الإباضية في ليبيا، وكان على رأس أصحاب هذا الرأي الوالي أفلح بن العباس، وعامل قنطرارة سعد بن أبي يونس ولكن أهل الشورى والغالبية الكبرى من الأمة كانت ترى وجوب رده عن المرور في أراضيهم، وعدم السماح

له بالاجتياز، وخضع الوالي الشجاع لرأي الأغلبية، واستجاب لمطلبهم، وجهز الجيش وقاده حتى التقى بعسكر ابن الأغلب في قصر " مانو " على ساحل البحر، قرب قابس.

والتحم الجيشان، ووقعت معركة ندر أن يقع مثلها في التاريخ، وكثر القتل في جيش أفلح، وخاف أن يضعف إخوانه، فأمر حامل الرأية أن يركزها في الأرض حتى تثبت، ولا تحدث أحداً من أصحابه نفسه بالتخلى عنها. وحاول حامل الرأية أن يمتنع عن هذا العمل الخطير الذي كان حريا أن يقضي على الجميع، ولكن الوالي البطل أصر على أمره، وركزت الراية في الأرض، واستمرت الحرب وكانت الرؤوس تتساقط من حولها حتى كاد

143

142