الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٨٤

الإباضية

أسلافه، من

توجد إلا عند الصفوة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وعكف بعد ذلك عليدراسة كتاب الله وسنة رسوله، وتفهم أسرار الشريعة. حتى كان في ذلك مرجعاً، وعرف فيه المسلمون هذه الصفات النادرة من العلم والعمل، والخلق، فأولوه ثقتهم. وولوه أمرهم، وبايعوه إمام دفاع، على أن يتولي شؤونهم حتى في حالة السلم: فيفصل مشاكلهم، ويحكم بين متنازعيهم. ويأخذ الحقوق من أغنيائهم ليضعها في فقرائهم إلى آخر ما هنالك من شؤون أمة. يوجه سياستها الداخلية مؤمن آمين. وقد قبل ما عرضوه عليه، وتحمل هذه الأعباء الثقال بما عرف فيه وفي أمانة ودين وحرص على مصلحة الأمة عندما تشاور المسلمون في أمر الحكم، وعرضوه عليه واتفقوا على إسناده إليه، لم يتهرب من المسؤولية، وقبلها مستعينا بالله على القيام بواجباته. كانت أمه وأخته وهما من العالمات الصالحات خائفتين عليه من هذا العبء الثقيل، وعندما كانت النساء مقبلات عليهما للتهنئة بهذا المنصب الرفيع، وبهذه الثقة، وهذا الاختيار، كانت الأم والأخت تنتحبان، وتذرفان الدموع. وتجيبان المهنئات: أنهم قدموه إلى النار: أنهم وضعوا على كاهله أعباء ثقالا ينوء بها: أنهم اختاروه ليفصل مشاكلهم ويفرز بين حقوقهم، فيبوء الناس بالمشاكل المفصولة، والحقوق المتاحة، ويؤوب بالحساب العسير، والغرم الكبير.

وانتصب الحاكم المدافع للقيام بهذه المهمة الثقيلة رغم معارضة أمة الرءوم، وأخته الحنون، ولم يتردد في التضحية

بنفسه عندما احتاجته أمته، فكان مثلا للمؤمن الذي يرعى الأمانة ويتبع الحق، ويفصل المشاكل ويستميت في الدفاع، وهو

في كل ذلك معرض عن متاع الحياة وزخرف الدنيا. ولد له ولد، فجاءه الناس للتهنيئة، وقدم فيمن قدم جماعة من اليهود، جمعوا له أربعين ديناراً للمولود الجديد، فقال لهم: لو كنت أقدر على صيانتكم لأخذتها منكم جزية، ولكنني لا أقدر على صيانتكم، فخذوا أموالكم.42. وعبثا حاولوا أن يقدموها إليه هدية، إنه لا يقبل الهدايا وهو في منصب الحاكم أو الأمير. ولعله كان يذكر في ذلك الحين حديث رسول صلى الله عليه وسلم: (أما بعد: فإني استعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيناجي أحدكم فيقول: هذا لكم، وهذه هدية أهديت إلي. فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي بيده لا يأخذ منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له، رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر)، ثم أطعم هؤلاء اليهود عنباً، وانصرفوا وهم يعجبون. كانوا يتحدثون وهم يقولون: عجباً: "ما رأينا مثل هذه البلاد، لا يطمع سلطانها في أموال الناس .. وحق لهم أن يعجبوا. فهم يعرفون ما يرتكبه أصحاب السلطان من الجرائم للحصول على المال من أي طريق، فكيف يمتنع هذا عن قبول هدية طابت بها النفس. واستراح لها الضمير ..

كان بين بني زمور 43 وطرميسه سوء تفاهم وعناد، يؤدي في كثير من الأحيان إلى المشاغبة والنزاع عندما يتلاقون في أسواق جادو – ومركز الحكم، ومدينة جبل نفوسة في ذلك الحين – فخص

165

164