الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٨٨الإباضية
بحق وعدل، ولم يشغل ابن ماطوس بهذا العبء الثقيل عن الرسالة التي خلق من أجلها رسالة التعليم. فكانت مدرسة ابن ماطوس من أعظم المدارس التي نشرت العلم في جميع الربوع وورد إليها الطلاب من كل مكان. لم يكن ابن ماطوس مجرد مدرس يلقي النظريات العلمية ويشرحها للطلاب حتى تصل إلى أذهانهم، وإنما كان مع ذلك مربيا يحسن التربية، وقدوة صالحة للأقتداء، فكانت دروسه مشبعة بروح الإسلام، وكان خلقه الكريم بين الطلاب داعيا لتهذيب النفس، وكانت سيرته القويمة مضرب الأمثال. وإلى هذه الشخصية القوية في أخلاقها ودينها وكفاحها كانت غزارة العلم من أعظم الأسباب في تكوين هذه الشخصية، فلم يخل كتاب من كتب الإباضية عن أقوال ابن ماطوس، ولم يبق بلد من بلدانهم لم تدخله فتوى ابن ماطوس. قال أبو يحيى الفرسطائي: اجتمعت ببعض العلماء بناحية " زويله " فقال: إن فتوى ابن ماطوس كلها حسنة، إلا أنه يرى أن لا الشفعة ليتيم، ولا لغائب. قال أبو يحيى: فلما قدمت أتيت ابن
ماطوس فأخبرته، فقال: قل له ذلك تعطيل الحقوق.
إن هذه القضية البسيطة توضح انتشار فتوى هذا العالم العظيم، ومبلغ تقدير رجال العلم له. كان الطلاب يلتحقون بالمدارس المنتشرة في المغرب الإسلامي، ثم يعودون فيصححون درسوه على هذا العالم العظيم.
ما
درس الطالبان النجيبان أبو صالح وأبو موسى حى في بعض المدارس بالجنوب التونسي ولما أنما دراستهما قررا الرجوع إلى جبل نفوسة، ليعرضا ما درساه على ابن ماطوس، فالتقيا بالعلامة
بكر بن أبي بكر الفرساطائي، وكان في دور التعليم حينئذ، فرافقهم، وفي طريقهم وجهت إليهم عدة أسئلة، وكان جواب
بكر الخلاف ما درس الشيخان
وعندما وصلا إلى العالم الكبير ابن ماطوس ذكرا له قصتهما، والخلاف بين فتواهما وفتوى ابن أبي بكر، فقال الشيخ لهما: الفرسطائي عالم.
أنها شهادة ممن يحق له أن يعطي الإجازات الدراسية. فيفخر بها الطلاب وموضوع الأسئلة موضوع فقهي، وجواب الشيخين هو الجواب الآلي الذي تجده عند المختصرات الفقهية أما جواب ابن أبي بكر فهو جواب العالم الذكي الذي يتغلغل بفهمه العميق إلى أسرار الشريعة، ويغوص إلى الحقائق التي يكتشفها العقل المستنير في أحكام الإسلام، ويكفي أن أذكر لك إحدى هذه المسائل التي عرضت لأولئك الطلاب، لتعرف مقدار الفرق بين المتشبث بظواهر النصوص لعلماء الفقه والمتفهم لسر الحكم الشرعي. سألهم سائل فقال: رجل تيمم لعذر شرعي ويده نجسة، فما الحكم في اليد والتراب المستعمل للتيمم؟. أجاب الشيخان أن اليد طاهرة والتراب نجس. ولكن ابن
أبي بكر قال: إن اليد والتراب طاهران، فقيل له: أين ذهب النجس
؟
! فقال: ذهب بين الضربات! ولك أيها القارئ الكريم أن تتأمل هذه المسألة على أحكام الشريعة السمحة. التي وضعت التيمم في مقام الوضوء أو الأغتسال، لترفع الحدث، حتى لا تكلف المسلم شططاً، وتحمله ما لا يستطيع، لك أن تتأمل ذلك ثم تقف في من هؤلاء الطلاب، أما أنا فقد شئت من اخترت موقفي
صف
171
170