الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٩

فليس

الإباضية

في هذا العصر، هذه الأمة التي تنتشر على أفريقيا وآسيا وأوربا، وتاريخ هذه الأمة هو مجموع سلوك أفرادها وطوائفها، تلك الأعمال التي تنبعث في كامل الوطن العام، أما الأعمال التي تقوم بها هذه الدول المتناثرة في كثير من بقاع الوطن الإسلامي ت من تاريخ الأمة. إنها تاريخ رجل، أو رجال، وصلوا إلى كراسي الحكم بوسيلة من الوسائل، ومنهم من هو أبعد الناس عن فهم حقيقة الأمة، وحقيقة مشاعرها، وحقيقة أعمالها ومطالبها، ومع أن الأمة وحدة لا تتجزأ، فإن أولئك الذين يتولون الحكم، ويحسبون أنهم أقاموا دولا، لا ينفكون يقيمون الحدود أجزاء الأمة، ليصنعوا منها أما مختلفة: هذه عربية، وهذه تركية، وهذه فارسية، وغيرها، ولم يكتف أصحاب المطامع والاستعمار حتى هذا، فذهبوا إلى تقسيمها دويلات صغيرة جعلوا منها ممالك وجمهوريات.

بين

إن هذا الشعارات الزائفة، وهذه المبادئ الضالة، أبعد ما تكون عن الإسلام وعن تاريخ الإسلام. إنها جوانب من تاريخ أولئك العدد القليل من الناس، الذين نادوا بها، وفصلوا بين أبناء الأمة الواحدة، والدين الواحد، ليحققوا لأنفسهم شهوة السلطة، وشهوة المتعة، وشهوة المال. الأخطاء التي أوحى بها الاستعمار، فتلقفتها آذان السياسيين من هذه الأمة، فانطلقت بها ألسنتهم وأقلامهم: كلمة الصداقة والأخوة تزج بها بين هذه الدويلات المسلمة. القائمة على قطع من الوطن الإسلام، فيقف الخطيب منهم أو السياسي وهو يحسب أنه أوتي فصاحة سحبان حين يقول:

ومن

الدول الشقيقة، والدول الصديقة، وهو يقصد بالدول الشقيقة

: الدول التي تحكمها هيئة عربية أما الدول الصديقة فقد يكون من بينها أعدى أعداء الأمة، وكم أتألم وأنا أسمع خطبا من أولئك الذين يقدر فيهم فهم القضية الإسلامية فهما صحيحا، حينما تجوز عليهم هذه الخدعة الاستعمارية، فتجدهم وهم يتكلمون عن الجزائر (2)، أو عن فلسطين، أو عن الكويت، أو موريتانيا، فيعبرون عنها بهذه الكلمة التي لقنها الاستعمار لأتباعه – الدول الشقيقة - حتى يقرر في أذهان الناس، أن كل دولة من هذه الدول حقيقة قائمة بنفسها، قد يربطها بالدولة الأخرى، علاقة القرابة أو الصداقة، أو المصلحة، ولكنها مع ذلك شيئان منفصلان، وتقطيع الأمة المسلمة إلى أشلاء متناثرة، هي أعظم غاية يسعى إليها الأعداء بكل ما أوتوا من فكر

ومكر.

إن الكتاب الكريم، يقرر أن الأمة الإسلامية أمة واحدة في إندونيسيا وتركيا وإيران والباكستان والجزيرة العربية ومصر

والمغرب الأقصى وما بينها، فقال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). أما قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فالمراد به - و. والله أعلم

- أن الأخوة هي العلاقة التي تربط بين أولئك الذين أتصفو بالإيمان في جميع مراحل التاريخ، إن المؤمنين في هذا العصر إخوان للمؤمنين الذين سبق بهم الزمن والذين سيأتون مع الزمن المقبل (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلَا تَجْعَلُ في

2 - كتب هذا الفصل قبل أن تتحرر الجزائر، لكن طبع الكتاب تأخر لأسباب خارجة عن إرادة المؤلف.

17

16