الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٩٠الإباضية
ويخصص القسم الثالث للإنفاق على الأقسام الداخلية في مدرسته العامرة، التي يؤمها عدد غير قليل من الطلاب البعداء فتتكفل المدرسة بإيوائهم والإنفاق عليهم. وكان إلى هذه المكانة السامقة من العلم والمال: شديد التواضع، لين الخلق سهل المعاشرة يوقر أصحاب الفضل والعلم ويستشيرهم. فيما يعرفه حق المعرفة.
زاره أبو محمد. محمد عبد الله بن الخير " بالجزيرة " وبينما كان الشيخان يتحدثان إذا ارتفعت صيحة عن غارة موجهة إلى القرية فوثب أبو هارون إلى سلاحه ثم اندفع إلى الميدان .. ثم تذكر أن في ضيافته العلامة أبا محمد عبد الله بن الخير، الحاكم والقاضي على الجبل. وأنه يجدر به أن يلتمس منه النصح والإرشاد قبل أن يبدأ العمل، وإن كانت السبيل واضحة أمامه وحكم الله جليا في مثل هذه القضية. ورجع إلى الضيف الكبير يستشيره ويستنصحه فيما يجب أن يفعلوا إن أدركوا العدو فقال القاضي العادل والحاكم العالم: " إن قتلوا الأنفس وحازوا الأموال فقاتلوهم، وإن أخذوا الأموال خاصة فاقصدوا أموالكم، فإن حالوا بينكم وبينها فقاتلوهم " 46
تلك السيرة الرائعة التى تتبع تعاليم الإسلام في تنظيم الهجوم والدفاع، اتباعا لأمر الله لايحيد به غضب، ولا يستفزهم كيد، ولا يوصلهم إلى الطغيان عدوان.
إن العلماء الأعلام الذين درسوا على أبي هارون، وتخرجوا من مدرسته، أكثر من أن يحصيهم العد. أما آراؤه وفتاواه وأقواله
فلايخلو منها كتاب من كتب الفقه والأصول والكلام. وكثيراً ما يكون رأيه أرجح الآراء، ومعتمد المذهب أبو الربيع سليمان بن زرقون 47 النفوسي من نفوسة " تاديوت"، درس في " سجلماسه " على العلامة ابن الجمع 48. وقد كانت " سجلماسه" في ذلك الحين، من المراكز العلمية التي يؤمها الطلاب من جميع النواحي، لاستكمال الدراسة، وعندما توفى الشيخ العالم، أوصى بثروته العلمية إلى تلميذه النجيب الذي خدمه بإخلاص زمنا غير قصير. وأصبح هذا الطالب بعد أن استكمل دراسته شيخا عملاقا تنحني أمامه الرقاب، وتذوب بين يديه شبه المشاغبين، ولما رجع من سجلماسة إلى الجنوب التونسي وجد أن النكار قد نشروا بدعهم في كثير من تلك البلاد. وأصبح لهم أتباع ومريدون. ولم يزل يتنقل من بلد إلى بلد ومن مجمع إلى مجمع، حتى قضى على تلك البدع التي كادت تفتك بدين الناس، وسكت أولئك المشاغبون فلم تعد تنطلق آراؤهم المنحرفة لتزيغ عقول البسطاء من الناس عن دين الله كان قوي الحجة، فصيح اللسان غزير المادة، شديدا في دين
الله ..
رأى تبرجا من نساء " قصطالية " فقال: ما أكثر إماء أهل هذا البلد، فحملهن على غير الحرائر. وقد كان في هذه الكلمة من مسافراً
التوبيخ والزجر ما يدفع الضمائر الحية إلى العمل كان مسـ في شتاء شديد البرد، ومعه شيخان، ورعان، فمروا بغدير وقت
175
174